شرح حديث جبريل (5) الإيمان بأسماء الله وصفاته.
الموضوع
الإيمان بأسماء الله وصفاته.
إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
مَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعد..
تَحَدَّثْنَا فِي الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ عَنْ أُلُوهِيَّةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ- وَأَنَّهَا إِفْرَادُ اللهِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَتَرْكُ التَّعَلُّقِ بِكُلِّ مَنْ سِوَاهُ.
وَنَتَحَدَّثُ الْيَوْمَ بِعَوْنِ اللهِ عَنْ تَوْحِيدِ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ- بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
عِبَادَ اللهِ.
** خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ لِيَعْرِفُوهُ وَيَعْبُدُوهُ، وَمَعْرِفَةُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ تُوصِلَانِ الْعَبْدَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ وَفَلَاحٍ وَصَلَاحٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
** فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ فَإِنَّهُ سَيُحِبُّهُ، وَيَخَافُهُ، وَيُعَظِّمُهُ، وَالدِّينُ كُلُّهُ مَدَارُهُ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللهِ، وَتَعْظِيمِ اللهِ -جَلَّ جَلَالُهُ-.
يَقُولُ الْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الثَّانِي ابْنُ الْقَيِّمِ -عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ-: إِنَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ أَحَبَّهُ لَا مَحَالَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا أَبْغَضَهَا لَا مَحَالَةَ.
** وَلَيْسَتِ الْقُلُوبُ الْمُؤْمِنَةُ أَشَدَّ رَغْبَةً وَأَكْثَرَ شَوْقًا إِلَى شَيْءٍ كَشَوْقِهَا وَرَغْبَتِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَعْبُودِهَا وَبَارِئِهَا بِأَسْمَائِهِ الْجَمِيلَةِ، وَصِفَاتِهِ الْجَلِيلَةِ.
عِبَادَ اللهِ..
لَقَدْ بَشَّرَ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لِمَنْ أَحْصَى لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وَإِحْصَاؤُهَا هُوَ: حِفْظُهَا، وَفَهْمُ مَعَانِيهَا، وَدُعَاءُ اللهِ بِهَا.
** فَإِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ حَفِظْتَ لِسَانَكَ وَسَمْعَكَ وَبَصَرَكَ عَنِ الْحَرَامِ.
** وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ اسْتَحْيَيْتَ مِنَ اللهِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ».
مَعَاشِرَ الْمُكَرَّمِينَ..
لِلْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ آثَارٌ تَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَجَلِّهَا:
** أَوَّلًا: مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى، فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ سَيُحِبُّهُ لَا مَحَالَةَ.
وَمِنْ صِفَاتِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا.
فَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً فِي الْحَرْبِ قَدْ وَجَدَتْ طِفْلًا فَأَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» فَقُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَضْحَكُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ». فَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: أَوَيَضْحَكُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا.
** ثَانِيًا: مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ: الْخَوْفُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفَ الْعَبْدُ أَنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ (الْقَوِيَّ، الْمَتِينَ، الْجَبَّارَ، وَالْقَهَّارَ) وَلَّدَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ، وَالْخَشْيَةَ مِنْ شَدِيدِ عَذَابِهِ، فَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ أَعْرَفَ كَانَ لَهُ أَتْقَى وَأَخْوَفَ، قَالَ اللهُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}..
** ثَالِثًا: مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ: تَعْظِيمُهُ سُبْحَانَهُ وَالتَّذَلُّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ عَظَمَةِ اللهِ أَنَّ {الْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}..
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا): أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا هُمُ الْعُصَمَاءُ النُّبَلَاءُ، إِذَا تَذَكَّرُوا عَظَمَةَ اللهِ (تَعَالَى) انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، حَتَّى إِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ، سَارَعُوا إِلَى اللهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، فَأَيْنَ أَنْتُمْ مِنْهُمْ؟
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
كُلُّ صِفَةٍ لِلَّهِ وَرَدَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِكَمَالِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفَرَحِ وَالضَّحِكِ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالنُّزُولِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، نُؤْمِنُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ أَوْ تَعْطِيلٍ، عَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُ، قَالَ اللهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ نَقُولُ: إِنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ، نُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ».