أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الرابع · خطبةٌ مكتوبة

الكلمة الطيبة ركيزة أساسية في الدعوة إلى الله

٦ دقائقِ قراءة ✓ أصلٌ مُحقَّق

الموضوع

بيان الأثر الحسن للكلمة الطيبة في الدعوة إلى الله تعالى.

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71] أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ." الكلمةُ الطيبةُ ركيزةٌ وأساسٌ في الدعوةِ إلى اللهِ. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. عبادَ اللهِ. لقد بينتْ هذه الآيةُ الكريمةُ مراتبَ الدعوةِ إلى اللهِ، وأنها ثلاثُ مراتبٍ: الأولى: الدعوةُ إلى اللهِ بالحكمةِ والكلمةِ الرقيقةِ، وهذا الأسلوبُ يُستعملُ مع من كان طالبًا للحقِّ راغبًا فيه غيرَ معاندٍ ولا مستكبرٍ. والثانيةُ: الدعوةُ إلى اللهِ بالموعظةِ الحسنةِ أي بالترغيبِ والترهيبِ بالتخويفِ تارةً والتحبيبِ تارةً أخرى، وهذا الأسلوبُ يُستعملُ مع العصاةِ من المسلمين. والثالثةُ: الدعوةُ إلى اللهِ بالجدالِ الحسنِ الذي لا تجريحَ فيه ولا شططَ، وهذا الأسلوبُ يُستعملُ مع المعرِضين والمستكبرين. أيها المؤمنون. ما أجملَ أن تكونَ لغةُ الدعوةِ والتخاطبِ بين المسلمين هي لغةَ الرحمةِ والحلمِ، وما أقبحَ أن تكونَ لغةُ الدعوةِ والتخاطبِ بين المسلمين هي الشدةَ والعنفَ، والقدحَ في الشخصياتِ وهدمَ النفسياتِ. ويا للهِ ما للكلماتِ الجميلةِ والعباراتِ اللطيفةِ من أثرٍ عظيمٍ في النفوسِ! فهي مفتاحُ القلوبِ، ورب كلمةٍ تُجبَرُ بها خاطرُ مسلمٍ يكتبُ اللهُ لك بها رضوانَه والجنةَ، ورب كلمةٍ توجبُ لصاحبِها السخطَ والنارَ. قال الله: ((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)). من حديث بلال المزني -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه. وعن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قلت يا رسول الله: حدثني بشيء يوجب لي الجنة قال: «موجب الجنة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام». ومن حديث علي بن أبي طالب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام. دخل رجلٌ على هارونَ الرشيدِ فأغلظَ له القولَ، فقال له هارونُ: إن اللهَ أرسل من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌّ مني، فقال: ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)). وكان لبعضِ القضاةِ جليسٌ أعمى، وكان إذا أراد أن ينهضَ يقولُ: يا غلامُ اذهبْ مع أبي محمدٍ، ولا يقولُ: خذْ بيدِه. قال: واللهِ ما أُخِلُّ بها مرةً. الخطبةُ الثانيةُ. يقول يونس بن عبيد -رحمه الله-:"ما رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحا في سائر عمله." ومصداق هذا في كتاب الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)).