أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الشيخ الدكتور محمد بن يوسف خشانأ.د محمد بن يوسف خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للشيخ الدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الرابع · خطبةٌ مكتوبة

من علامات توفيق الله لعبده

١٥ دقيقةَ قراءة ✓ أصلٌ مُحقَّق

الموضوع

هناك علامات تدل على توفيق الله لعبده وإرادة الخير به.

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعد
عِبَادَ اللَّهِ.
إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خِضَمِّ هَذِهِ الْفِتَنِ وَالْمَشْغَلَاتِ أَنْ يَتَلَمَّسَ مَرْضَاةَ اللَّهِ، وَأَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى أَسْبَابِ تَوْفِيقِهِ لِعَبْدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَلْيَثْبُتْ وَلْيَزْدَدْ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ تَدَارَكَ نَفْسَهُ، وَحَرَصَ عَلَى تَحْصِيلِهَا.
فَمَا عَلَامَاتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ؟
وَمَا عَلَامَةُ الْعَبْدِ الْمُوَفَّقِ؟
وَمَا هِيَ صِفَاتُهُ؟
عِبَادَ اللَّهِ.
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُ أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللَّهِ.
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ - قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) فَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا.
ثَانِيًا: أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)).
وَرَوَى ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ).
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ.
ثَالِثًا: أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ لِنَشْرِ الْخَيْرِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ هَذِهِ مُهِمَّةُ أَشْرَفِ خَلْقِ اللَّهِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).
عِبَادَ اللَّهِ.
وَإِنَّ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ لِلدَّاعِيَةِ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ لِلْأَصْلِ الْعَظِيمِ الَّذِي لِأَجْلِهِ خُلِقَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرَضُونَ، وَلِأَجْلِهِ خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، فَالدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْكِ وَوَسَائِلِهِ هُوَ أَعْظَمُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِذْ هُوَ أَعْظَمُ مَا يُطَاعُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ.
رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ).
عِبَادَ اللَّهِ.
إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ خِذْلَانِ اللَّهِ وَقِلَّةِ تَوْفِيقِهِ لِبَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الدَّعْوَةِ، هُوَ اسْتِغْلَالُ هَؤُلَاءِ الدُّعَاةِ مَنَابِرَهُمْ لِتَهْيِيجِ النَّاسِ بِالْخُطَبِ الْحَمَاسِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، حَتَّى إِنَّكَ لَتَظُنُّ - وَاللَّهِ - أَنَّكَ أَمَامَ فَضَائِيَّةٍ مِنَ الْفَضَائِيَّاتِ الْإِخْبَارِيَّةِ، فَالْمَنَابِرُ إِنَّمَا هِيَ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ أَحْكَامَ دِينِهِمْ، وَعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
رَابِعًا: أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي أَوْ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا فَلَا تَسْتَطِيعَ الْوُصُولَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ هَذَا مِنْ عَلَامَةِ التَّوْفِيقِ، وَإِرَادَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ خَيْرًا، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا))، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَاصِي.
فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ! إِذَا هَمَمْتَ بِأَنْ تَعْصِيَ رَبَّكَ وَأَعْدَدْتَ الْعُدَّةَ لِذَلِكَ، وَأَغْلَقْتَ الْأَبْوَابَ، وَأَرْخَيْتَ السُّتُورَ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَعْصِيَةِ، فَاحْمَدِ اللَّهَ كَثِيرًا وَاشْكُرْهُ كَثِيرًا، فَإِنَّ رَبَّكَ قَدْ أَرَادَ بِكَ خَيْرًا.
وَاعْتَبِرْ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ حِينَ دَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ زَوْجَةً لِلْمَلِكِ، وَكَانَ يُوسُفُ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، ثُمَّ هِيَ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ: هَيْتَ لَكَ، تَأَمَّلْ فِي كُلِّ هَذِهِ الْعَوَامِلِ الْمُعِينَةِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ، لَكِنَّهُ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمَحْفُوظُ بِحِفْظِ اللَّهِ.
قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ((كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)).
أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَنَا وَإِيَّاكُمْ بِحِفْظِهِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ.
عِبَادَ اللَّهِ.
وَإِنَّ مِنْ عَلَامَةِ تَوْفِيقِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَنْ يُوَفِّقَهُ لِحِفْظِ لِسَانِهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ.
وَإِنَّ مِنْ عَلَامَةِ خِذْلَانِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَنْ يُطْلِقَ الْعَبْدُ لِسَانَهُ بِالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ غِيبَةُ الْعُلَمَاءِ وَالطَّعْنُ فِيهِمْ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَالدُّعَاةِ الْمُخْلِصِينَ؛ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ آذَنَهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِالْحَرْبِ، فَهَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ وَأُولَئِكَ الدُّعَاةُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِيهِمْ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)).