أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الرابع · خطبةٌ مكتوبة

شرح حديث جبريل (3) الإيمان بربوبية الله.

١٣ دقيقةَ قراءة ✓ أصلٌ مُحقَّق

الموضوع

الإيمان بالله.

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. مَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أما بعد.. وَبَعْدُ.. فَلَا زِلْنَا نَتَحَدَّثُ عَنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، نَتَحَدَّثُ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ.. عِبَادَ اللهِ.. مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى، الْإِيمَانُ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَهُوَ: الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ الْخَالِقُ وَالْمَالِكُ وَالرَّازِقُ وَالْمُدَبِّرُ، وَأَنَّهُ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَمَالِكُ الْمُلُوكِ وَالْأَمْلَاكِ. فَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فَوْقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِهِ، فَلَا خَالِقَ، وَلَا رَازِقَ، وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ، وَلَا مُحْيِيَ وَلَا مُمِيتَ غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ، مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. لَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا أَحْصَاهَا، وَأَحَاطَتْ بِهَا قُدْرَتُهُ، وَنَفَذَتْ بِهَا مَشِيئَتُهُ. فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِرُبُوبِيَّةِ خَلْقِهِ إِيجَادًا وَإِمْدَادًا، وَخَلْقًا، وَتَدْبِيرًا.. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ. الْإِيمَانُ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لَا يَكْفِي فِي النَّجَاةِ عِنْدَ اللهِ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ قَدْ أَقَرَّ بِهِ وَأَذْعَنَ لَهُ جَمِيعُ خَلْقِ اللهِ حَتَّى الْمُشْرِكِينَ، فَالْمَعْرَكَةُ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأَقْوَامِهِمْ إِنَّمَا كَانَتْ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهُوَ إِفْرَادُهُ سُبْحَانَهُ بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّعَلُّقِ وَالرَّغَبِ وَالرَّهَبِ، وَلَيْسَ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالَّذِي هُوَ إِفْرَادُهُ سُبْحَانَهُ بِالْخَلْقِ وَالْمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ. قَالَ اللهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}. عِبَادَ اللهِ. رُبُوبِيَّةُ اللهِ لِخَلْقِهِ تَعْنِي أَنَّهُ خَالِقُهُمْ، وَرَازِقُهُمْ، وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ، وَالْمُدَبِّرُ لِشُؤُونِهِمْ، وَهَذِهِ الرُّبُوبِيَّةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَوَّلُهَا: الرُّبُوبِيَّةُ الْعَامَّةُ: وَهِيَ خَلْقُهُ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَسَوْقُ رِزْقِهِمْ إِلَيْهِمْ، وَهِدَايَتُهُمْ إِلَى مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ فِي مَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ النَّاسِ بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ. ثَانِيًا: الرُّبُوبِيَّةُ الْخَاصَّةُ: وَهِيَ تَرْبِيَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُرَبِّيهِمْ بِالْإِيمَانِ، وَيُكَمِّلُهُمْ بِالْإِحْسَانِ، وَيُعِينُهُمْ عَلَى صَالِحِ الْعَمَلِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمُ الصَّوَارِفَ وَالْعَوَائِقَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ -سُبْحَانَهُ-. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ (التَّوْفِيقَ وَالْخِذْلَانَ). وَ((التَّوْفِيقُ)) هُوَ: أَنْ يُعِينَكَ اللهُ عَلَى أَسْبَابِ رِضَاهُ، وَأَنْ يَفْتَحَ لَكَ أَبْوَابَ هُدَاهُ، بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ. وَ((الْخِذْلَانُ)) هُوَ: أَنْ يَكِلَكَ اللهُ إِلَى نَفْسِكَ، وَأَنْ يَقْطَعَ عَنْ قَلْبِكَ أَسْبَابَ حَيَاتِهِ، وَهِدَايَتِهِ، بِمَحْضِ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ. قَالَ اللهُ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. وَلِعِلْمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجِيبِ صُنْعِ اللهِ تَعَالَى فِي تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ، كَانَ كَثِيرًا مَا يَحْلِفُ وَيَقُولُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ. وَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ. وَكَانَ -صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- يُعَلِّمُ فَاطِمَةَ أَنْ تَقُولَ إِذَا أَصْبَحَتْ وَإِذَا أَمْسَتْ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَدًا. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ.. يَتَقَلَّبُ الْعِبَادُ بَيْنَ تَوْفِيقِ اللهِ وَخِذْلَانِهِ، بَلِ الْعَبْدُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ يَنَالُ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، فَيُطِيعُهُ وَيُرْضِيهِ فِي أَوْقَاتٍ، وَيُخَالِفُهُ وَيَعْصِيهِ فِي أَوْقَاتٍ، فَإِنْ وَفَّقَهُ فَبِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِنْ خَذَلَهُ فَبِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى هَذَا وَهَذَا، لَهُ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ.. فَلْيَحْذَرِ الْعَبْدُ أَنْ يَزْدَرِيَ أَهْلَ الْمَعَاصِي، أَوْ أَنْ يَحْتَقِرَ الْمُقَصِّرِينَ وَالْمُفَرِّطِينَ تُجَاهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِنَّمَا اهْتَدَى الْمُهْتَدِي بِفَضْلِ رَبِّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِنَّمَا ضَلَّ الضَّالُّ بِعَدْلِ رَبِّهِ وَحِكْمَتِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ الثَّبَاتَ حَتَّى الْمَمَاتِ، فَلَيْسَ لِعَبْدٍ ضَمَانٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ. وَاجْعَلْ لِقَلْبِكَ مُقْلَتَيْنِ كِلَاهُمَا مِنْ خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ بَاكِيَتَانِ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ كُنْتَ أَيْضًا مِثْلَهُمْ فَالْقَلْبُ بَيْنَ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ