شرح حديث جبريل (10) أشراط الساعة (3)
الموضوع
أشراط الساعة
إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعد..
قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا:
((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ)).
عِبَادَ اللَّهِ..
لَا زِلْنَا نَتَحَدَّثُ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الْخُطَبِ عَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَذَكَرْنَا فِي خُطْبَةٍ مَضَتْ أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ بِعْثَةَ النَّبِيِّ وَكَذَلِكَ مَوْتَهُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَذَكَرْنَا مِنْهَا أَيْضًا فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ حَيْثُ وَقَعَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ فِي زَمَنِ الْفَارُوقِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ..
وَمِنْ هَذِهِ الْأَشْرَاطِ وَالْعَلَامَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِوُقُوعِهَا «كَثْرَةُ الْمَالِ».
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى لَا يَجِدَ الرَّجُلُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ).
عِبَادَ اللَّهِ..
لَقَدْ تَحَقَّقَ الْكَثِيرُ مِمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَكَثُرَ الْمَالُ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَاقْتَسَمُوا أَمْوَالَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ، حَتَّى فَاضَ الْمَالُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حَتَّى صَارَ الرَّجُلُ يَعْرِضُ مَالَهُ لِلصَّدَقَةِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ.
وَسَيَكْثُرُ الْمَالُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ -فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- حَتَّى يَبْحَثَ الرَّجُلُ عَمَّنْ يَقْبَلُ مِنْهُ الصَّدَقَةَ فَلَا يَجِدُ.
فَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَ: فَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي مِثْلِ هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، وَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ).
وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ -مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ- كَثْرَةُ الْفِتَنِ.
حَيْثُ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةَ الْفِتَنِ الَّتِي تُزَلْزِلُ الْإِيمَانَ، وَالَّتِي يَلْتَبِسُ فِيهَا الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَيُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، كُلَّمَا ظَهَرَتْ فِتْنَةٌ قَالَ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، وَلَا تَزَالُ الْفِتَنُ تَظْهَرُ فِي النَّاسِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي).
قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: (كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ).
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ -يَعْنِي أَزْوَاجَهُ- يَا رَبِّ كَاسِيَةً فِي الدُّنْيَا عَارِيَةً فِي الْآخِرَةِ..).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ).
وَتَأَمَّلْ -أَيُّهَا الْمُكْرَمُ- كَيْفَ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ فِتَنِ آخِرِ الزَّمَانِ ثُمَّ أَمَرَ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ هُوَ بَابٌ إِلَى الْفِتَنِ -نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا-.
فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ لَا يَهْدَأُ لَهُمْ بَالٌ، وَلَا يَقِرُّ لَهُمْ قَرَارٌ، بَلْ وَيَسْعَوْنَ جَاهِدِينَ إِلَى إِثَارَةِ الْفَوْضَى فِي الْبِلَادِ، وَاللَّهُ لَا يُعَارِضُ الْإِصْلَاحَ وَيُدَافِعُ عَنِ الْفَسَادِ إِلَّا فَاسِدٌ مُفْسِدٌ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا وَقَعَتْ -وَاللَّهِ- فَلَنْ تُرْفَعَ أَبَدًا، فَالْعَالَمُ يَحْسُدُنَا عَلَى أَمْنِنَا وَأَمَانِنَا.
أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ أَمْنَ هَذِهِ الْبِلَادِ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ
عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِتَنِ وَأَمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيُصِيبُهَا بَلَاءٌ وَفِتَنٌ عَظِيمَةٌ، وَلَيْسَ يَعْصِمُ مِنْ هَذِهِ الْفِتَنِ إِلَّا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلُزُومُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.