أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الرابع · خطبةٌ مكتوبة

شرح حديث جبريل (8)- أشراط الساعة- (1)

١١ دقيقةَ قراءة ✓ أصلٌ مُحقَّق

الموضوع

الإيمان باليوم الآخر

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أما بعد..

عِبَادَ اللَّهِ..

الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، وَعَقِيدَةٌ مِنْ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا إِلَّا أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ.

وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْيَوْمِ نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْبِطُ الْإِيمَانَ بِهِ سُبْحَانَهُ بِالْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.

قَالَ اللَّهُ: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)).

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ((ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

بَلْ قَلَّ أَنْ تَمُرَّ عَلَى صَفْحَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَتَجِدُ فِيهَا حَدِيثًا عَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَهْوَالٍ وَأَحْوَالٍ.

أَيُّهَا الْمُكْرَمُونَ عِبَادَ اللَّهِ..

إِنَّ أَعْظَمَ مُذَكِّرٍ وَوَاعِظٍ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ يَجْعَلُهُ يَسِيرُ إِلَى اللَّهِ وَيَبْتَعِدُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ هُوَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ هُنَاكَ يَوْمًا يُحَاسَبُ فِيهِ الْمُحْسِنُ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ عَلَى إِسَاءَتِهِ، فِي يَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ الْمُطْلَقُ.

فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ).

وَفِي رِوَايَةٍ: (يَقْتَصُّ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى الْجَمَّاءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ وَحَتَّى الذَّرَّةُ مِنَ الذَّرَّةِ).

قَالَ اللَّهُ: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)).

وَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ -فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِوَلَدِهِ-: ((يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)).

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ..

الَّذِي بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الْقَلِيلُ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ)).

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِانْصِرَامٍ، وَوَلَّتْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَصُبُّهَا أَحَدُكُمْ، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا مِنْهَا بِخَيْرٍ)).

وَهَذَا مِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾.

بَلْ إِنَّ مَبْعَثَ النَّبِيِّ وَكَذَلِكَ مَوْتَهُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، هُوَ مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ)، ثُمَّ ضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى.

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ..) ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ السِّتِّ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَبَعْدُ..

عِبَادَ اللَّهِ..

لِلسَّاعَةِ أَشْرَاطٌ وَعَلَامَاتٌ كُبْرَى وَصُغْرَى سَنَتَحَدَّثُ عَنْهَا -بِإِذْنِ اللَّهِ- تِبَاعًا ضِمْنَ سِلْسِلَةٍ عِلْمِيَّةٍ مِنْ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، هَذَا إِذَا كَانَ فِي الْعُمْرِ بَقِيَّةٌ وَقَدَّرَ اللَّهُ الْبَقَاءَ وَاللِّقَاءَ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَقْوَالَنَا زَادًا إِلَى حُسْنِ الْقُدُومِ إِلَيْهِ وَعَتَادًا إِلَى يُمْنِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.