أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الرابع · خطبةٌ مكتوبة

تعظيم السُّنة.

٩ دقائقِ قراءة ✓ أصلٌ مُحقَّق

الموضوع

بيان وجوب تعظيم السُّنة وبيان ما ينافيها.

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. مَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. وبعدُ عبادَ اللهِ. يقول اللهُ جل وعلا: (وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ). وفي الصحيحين من حديثِ أنسٍ -رضي الله عنه- مرفوعًا، قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". عبادَ اللهِ. لقد أخذ الصحابةُ الأخيارُ بهذا الأصلِ العظيمِ -وهو اتباعُ السنةِ وتعظيمُها- وساروا عليه، فكان كلامُ الرسولِ وهديُه -عليه السلام- هو المقدمَ عندهم على كلِّ شيءٍ. كانوا عن السنةِ منافحين، ولها حامين، فإذا رأوا من يعارضُها برأيٍ أو عقلٍ أو هوى زجروه ووبخوه وهجروه، لا يكلمونَه ولا يجالسونَه، وبذلك حفظوا السنةَ من كيدِ الكائدين وعدوانِ المعتدين. ثم جاء التابعون لهم بإحسانٍ، فساروا على طريقتِهم، تعظيمًا للسنةِ، وعملًا بها، فكانوا بالسنةِ بارين -رحمهم اللهُ أجمعين-. ثم بعد الزمانِ، وضعف الإيمانُ، وكثر الخبثُ والنفاقُ، وتجرأ كثيرٌ من الخلقِ على القولِ في دينِ اللهِ بالرأيِ والهوى، حتى صرت تذكرُ النصَّ تلو النصِّ من السنةِ فلا تكادُ تجدُ قبولًا وإذعانًا إلا عند من رحم اللهُ، وقليلٌ هم أولئك. واسمعْ -عبدَ اللهِ- لما جاء في كتابِ اللهِ من الأوامرِ تارةً والترغيبِ تارةً والتحذيرِ تارةً أخرى، تأمرُ باتباعِ السنةِ، وترغبُ فيها، وتحذرُ من تركِها ومخالفتِها. يقول اللهُ جل وعلا: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ). ويقولُ: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). ويقولُ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). يقول أبو بكرٍ -رضي الله عنه-: لست تاركًا شيئًا كان رسولُ اللهِ يعملُ به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئًا من أمرِه أن أزيغَ. فإذا كان الصديقُ يخشى على نفسِه من الزيغِ إن خالف شيئًا من أمرِ نبيِّه، فماذا يقولُ من يردُّ السنةَ بعقلِه وهواه ليلَ نهارَ، فنعوذُ باللهِ من الهوى والضلالِ. عبادَ اللهِ. لقد كان الصحابةُ -رضي الله عنهم- أشدَّ الناسِ تعظيمًا للسنةِ، وعملًا بها، بل وتعظيمًا للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، واسمعْ لما يقولُه عمرو بنُ العاص -رضي الله عنه-"كما في المسند": فوالله إن كنتُ لأشدُّ الناسِ حياءً من رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فما ملأت عيني من رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ولا راجعته بما أريدُ حتى لحق باللهِ عز وجل حياءً منه. وروى الشيخانِ عن عبدِ اللهِ بنِ مغفلٍ أنه رأى قريبًا له يخذفُ فنهاه وقال: إن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذفِ وقال: إنها لا تصيدُ صيدًا ولا تنكأ عدوًّا ولكنها تكسرُ السنَّ وتفقأ العينَ، قال: فعاد، فقال: أحدثُك أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نهى عنه ثم عدت، لا أكلمُك أبدًا. وفي صحيحِ مسلمٍ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ أن أباه عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:"لا تمنعوا نساءَ اللهِ مساجدَ اللهِ"، فقال بلالُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: واللهِ لنمنعُهنَّ، قال سالمٌ: فسبَّه عبدُ اللهِ سبًّا ما سمعتُ سبةً مثلَها قط، وقال: أخبرُك عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وتقولُ واللهِ لنمنعُهن! وفي روايةٍ لأحمد: فما كلَّمه عبدُ اللهِ حتى ماتَ. ولقد بلغ أبو بكرٍ وعمرُ الذروةَ في تعظيمِ السنةِ، والإيمانِ بها، والعملِ بما دلت عليه حتى شهد لهما النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك. ففي الصحيحين من حديثِ أبي هريرة قال: (صلى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- صلاةَ الصبحِ ثم أقبل على الناسِ فقال: بينما رجلٌ يسوقُ بقرةً إذ ركب فضربها فقالت: إنا لم أُخلق لهذا إنما خُلقنا للحرثِ، فقال الناسُ: سبحانَ اللهِ! بقرةٌ تتكلمُ! قال: فإني أومنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمرُ وما هما ثمَّ. وبينما رجلٌ في غنمِه إذ عدا الذئبُ فذهب منها بشاةٍ فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئبُ: هذا استنقذها مني فمن لها يومَ السبعِ يومَ لا راعيَ لها غيري! فقال الناسُ: سبحانَ اللهِ ذئبٌ يتكلمُ؟ ! قال: فإني أومنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمرُ وما هما ثمَّ). لقد بلغ أبو بكرٍ وعمرُ الذروةَ في تعظيمِ السنةِ والإيمانِ بها حتى شهد عنهما النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك، في غيابِهما. وعلى هذا سار أئمةُ العلمِ وأهلُ الصدقِ من أهلِ الإسلامِ. فقد سُئل الشافعيُّ -رحمه الله- عن مسألةٍ فقال: روي فيها كذا وكذا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال السائلُ: يا أبا عبدِ اللهِ، تقولُ به؟ فارتعد الشافعيُّ وانتفض، وقال: يا هذا أيُّ أرضٍ تقلُّني وأيُّ سماءٍ تظلُّني إذا رويت عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حديثًا فلم أقل به، نعم على السمعِ والبصرِ. ويقول الإمامُ أحمدُ -رحمه الله-: من رد حديثَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فهو على شفا هلكةٍ. عبادَ اللهِ. إن عدمَ تعظيمِ السنةِ والاستهزاءَ بها موردٌ للعبدِ موارِدَ الهلاكِ في الدنيا والآخرةِ. ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ سلمةَ بنِ الأكوعِ أن رجلًا أكل عند النبيِّ بشمالِه فقال: كل بيمينِك، فقال: لا أستطيعُ، قال: لا استطعتَ، ما منعه إلا الكبرُ، فما رفع يدَه إلى فيه. وعن أبي يحيى الساجي قال: كنا نمشي في أزقةِ البصرةِ إلى بابِ بعضِ المحدثين فأسرعنا المشيَ ومعنا رجلٌ متهمٌ في دينِه فقال: ارفعوا أرجلَكم عن أجنحةِ الملائكةِ لا تكسروها -كالمستهزئ-، فلم يزل في موضعِه حتى جفت رجلاه وسقط. قال النوويُّ -رحمه الله-: ورواةُ هذه القصةِ أعلامُ أئمةٍ. وروى الذهبيُّ -رحمه الله- في السيرِ عن القاضي أبي الطيب قولَه: كنا في مجلسٍ بجامعِ المنصورِ، فجاء شابٌّ خراسانيٌّ، فسأل عن مسألةٍ؛ فطالب بالدليلِ، حتى ذُكر له حديثُ أبي هريرة الواردُ فيها، فقال: أبو هريرةَ غيرُ مقبولِ الحديثِ. فما استتم كلامَه، حتى سقط عليه حيةٌ عظيمةٌ من سقفِ الجامعِ، فوثب الناسُ من أجلِها، وهرب الشابُّ منها، وهي تتبعُه. فقيل له: تب، تب. فقال: تبتُ. فغابت الحيةُ، فلم يُر لها أثرٌ. قال الذهبيُّ -رحمه الله-: إسنادُها أئمةٌ. أسألُ اللهَ أن يجعلني وإياكم ممن يعظمُ السنةَ، أقولُ ما تسمعون وأستغفرُ اللهَ لي ولكم. الخطبةُ الثانيةُ. الحمدُ للهِ وبعدُ. مما ينافي تعظيمَ السنةِ أمورٌ: 1- تحكيمُ العقلِ: قال العلماءُ: العقلُ شاهدُ الشرعِ قاضٍ فمتى شاء القاضي طرد الشاهدَ، فالعقلُ إنما جعله اللهُ كي يفهمَ خطابَ الشرعِ ويعيه لا أن يردَّه ويكونَ حاكمًا عليه. 2- التقليدُ: فلا يجوزُ للعبدِ أن يقلدَ أحدًا وهناك سنةٌ ثابتةٌ على خلافِ هذا القولِ، قال الشافعيُّ -رحمه الله-: أجمع الناسُ أن من استبانت له سنةٌ أن يدعَها لقولِ أحدٍ. 3- اتباعُ الهوى، قال اللهُ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ).