هل صحَّ عن الإمام أحمد تجويز التبرُّك بمنبر وقبر النبي-صلى الله عليه وسلم-؟
التعقّب
يقول المدَّعي: "فقط أريد من الإخوة اللامذهبية رأيَهم في فتوى إمام أهل السنة أحمدَ بنِ حنبل وهذا نصُّ كتاب العلل:
أنه سُئل عَن الرجل يمس مِنْبَر النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويتبرك بمسه ويقبله وَيفْعل بالقبر مثلَ ذَلِك أَو نَحْوَ هَذَا يُرِيد بذلك التَّقَرُّب إِلَى الله جلّ وَعز فَقَالَ: لَا بَأْس بذلك". اهـ
والجوابُ عن هذا أن يُقالَ:
من الكلماتِ المحرَّرةِ الشهيرةِ
قولُهم: إذا كنتَ ناقلاً فالصحةُ، وإذا كنتَ مدعياً فالدليلُ.
وطالبُ العلمِ المكينُ الصادقُ
يقابِلُ بين أقوالِ أهلِ العلمِ، فما ظهرَ له أنه أقربُ إلى الدليلِ كتاباً وسنةً
أخذَ به، وما ظهرَ له أنه على خلافِ ذلك تركَه، ثم هو في كلا الحالينِ يحفظُ لأهلِ
العلمِ جميعاً أقدارَهم ومنازلَهم، فليس كلُّ مرويٍّ صحيحاً، ولا كلُّ ما قيل
مقبولاً، إنما العبرةُ بصحةِ القولِ وموافقتِه للكتابِ والسنةِ وما عليه أهلُ
القرونِ المفضلةِ الأولى.
وجوابُ ما رُوي عن الإمامِ أحمدَ
-رحمه الله- من وجوهٍ:
الأولُ -وهو جوابٌ مجمَلٌ-: أنه قد
جاءتِ الشريعةُ بالنهيِ عن الافتتانِ بالقبورِ، وذلك حسماً لمادةِ الشركِ، وقطعاً
لوسائلِه، وسداً لذرائعِه، وصيانةً لجنابِ التوحيدِ، حيث نهى النبيُّ -صلى الله
عليه وسلم- عن اتخاذِ القبورِ مساجدَ، ونهى عن إيقادِ السرجِ على القبورِ، ونهى عن
تجصيصِها والبناءِ عليها والكتابةِ عليها، ونهى عن اتخاذِ قبرِ الشريفِ عيداً،
ونهى عن شدِّ الرحالِ إلى القبورِ إلى غيرِ ذلك مما صحت به السنةُ وتواترت به
الأخبارُ، وكلُّ ذلك منعاً للافتتانِ بالقبورِ، فمبدأُ عبادةِ الأصنامِ إنما كان
من فتنةِ القبورِ وتعظيمِها، ولا شكَّ أن التمسحَ بالقبورِ مما يدخل في النهيِ
دخولاً أولياً.
الوجهُ الثاني -وهو وجهٌ مفصَّلٌ-:
أنه لم يكن في زمنِ الإمامِ أحمدَ -رحمه الله- قبرٌ ظاهرٌ للنبيِّ -صلى الله عليه
وسلم- يُتمسحُ به، في هذا يقول ابنُ تيميةَ -رحمه الله-: ولهذا كرهت الأئمةُ
استلامَ القبر وتقبيلَه، وبنوه بناءً منعوا الناس أن يصلوا إليه. فكانت حجرة عائشة
التي دفنوه فيها منفصلةً عن مسجده وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر
على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم. اهـ (2/243).
الوجهُ الثالثُ: أن الذي ينقلُه
المحققون من أهلِ العلمِ من كبارِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ -رحمه الله- هو عدمُ جوازِ
التمسحِ بالقبرِ.
يقول ابنُ قدامةَ في المغني -رحمه
الله-: (وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بِحَائِطِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَقْبِيلُهُ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْرِفُ
هَذَا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْت أَهْلَ
الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُونَ مِنْ نَاحِيَةٍ فَيُسَلِّمُونَ.) اهـ من
المغني (3/602).
ويقول أبو بكرٍ الأثرمُ -رحمه الله-:
قلتُ لأبي عبدِ اللهِ -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ-: قبرُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-
يُمسُّ ويُتمسحُ به؟ فقال: (ما أعرفُ هذا). قلتُ له: فالمنبرُ؟ فقال: أما المنبرُ
فنعم، قد جاء فيه عن ابنِ عمرَ أنه مسح عن المنبرِ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه
الله-: فقد رخَّص أحمدُ وغيرُه في التمسحِ بالمنبرِ والرُّمانةِ، التي هي موضعُ
مقعدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ويدِه، ولم يُرخِّصوا في التمسحِ بقبرِه. وقد
حكى بعضُ أصحابِنا روايةً في مسحِ قبرِه؛ لأن أحمدَ شيَّع بعضَ الموتى، فوضع يدَه
على قبرِه يدعو له. والفرقُ بين الموضعينِ ظاهرٌ؛ لأن الإمامَ أحمدَ إنما وضع يدَه
على ذلك القبرِ للدعاءِ لا للتمسحِ، ففُرِّق بين الموضعينِ كما قال شيخُ الإسلامِ.
ثم قال شيخُ الإسلامِ: وكره مالكٌ
التمسحَ بالمنبرِ، كما كرِهوا التمسحَ بالقبرِ. فأما اليومَ فقد احترق المنبرُ،
وما بقيت الرُّمانةُ، وإنما بقي من المنبرِ خشبةٌ صغيرةٌ، فقد زال ما رُخِّص فيه؛
لأن الأثرَ المنقولَ عن ابنِ عمرَ وغيرِه إنما هو التمسحُ بمقعدِه. اهـ من اقتضاء
الصراط المستقيم (2/244-245).
لذا فالظاهرُ والأقربُ هو عدمُ ثبوتِ
هذه الروايةِ عن الإمامِ أحمدَ -رحمه الله-، وعلى فرضِ ثبوتِها فقد خالفه في ذلك
أكثرُ أهلِ العلمِ، وعلى رأسِهم إمامُ دارِ الهجرةِ الإمامُ مالكٌ -رحمه الله-.
(4) يقول القاضي عِياضٌ -رحمه الله- في
كتابِه «الشفا بتعريفِ حقوقِ المصطفى»: وقال مالكٌ في روايةِ ابنِ وهبٍ: إذا سلَّم
على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ودعا، يقفُ ووجهُه إلى القبرِ لا إلى القبلةِ،
ويدنو ويُسلِّمُ، ولا يمسُّ القبرَ بيدِه. اهـ من الشفا (2/85).
وقد نقل الإمامُ النوويُّ -رحمه الله-
في المجموعِ عن الحافظِ أبي موسى المدينيِّ عن الخراسانيينَ من الشافعيةِ قولَهم:
ولا يَمسحِ القبرَ ولا يُقبِّلْه ولا يمسَّه، فإن ذلك عادةُ النصارى.
يقول ابنُ تيميةَ -رحمه الله-: واتفق
العلماءُ على أن من زار قبرَ النبيِّ -صلى الله عليه وآله وسلم- أو قبرَ غيرِه من
الأنبياءِ والصالحينَ أنه لا يَتمسحُ به ولا يُقبِّلُه؛ بل ليس في الدنيا من
الجماداتِ ما يُشرَعُ تقبيلُها إلا الحجرَ الأسودَ. اهـ
وأختمُ بكلامٍ نفيسٍ للإمامِ النوويِّ
-رحمه الله- يقول فيه: (لا يجوزُ أن يُطافَ بقبرِه -صلى الله عليه وسلم-، ويُكرَهُ
إلصاقُ الظهرِ والبطنِ بجدارِ القبرِ، قاله أبو عبيدِ اللهِ الحليميُّ وغيرُه،
قالوا: ويُكرَهُ مسحُه باليدِ وتقبيلُه، بل الأدبُ أن يُبعَدَ منه كما يُبعَدُ منه
لو حضره في حياتِه صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصوابُ الذي قاله العلماءُ وأطبقوا
عليه، ولا يُغترُّ بمخالفةِ كثيرينَ من العوامِ وفعلِهم ذلك.
فإن الاقتداءَ والعملَ إنما يكون
بالأحاديثِ الصحيحةِ وأقوالِ العلماءِ، ولا يُلتفَتُ إلى محدثاتِ العوامِ وغيرِهم
وجهالاتِهم.)
وقد ثبت في الصحيحينِ عن عائشةَ -رضي
الله عنها- أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحدث في ديننا ما ليس
منه فهو ردٌّ)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: (من عمل عملاً ليس عليه عملُنا فهو ردٌّ)، وعن
أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لا تجعلوا
قبري عيداً وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتَكم تبلغني حيث ما كنتم)، رواه أبو داودَ
بإسنادٍ صحيحٍ.
وقال الفُضيلُ بنُ عياضٍ -رحمه الله-
ما معناه: اتَّبِعْ طرقَ الهدى ولا يضرُّك قلةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالةِ
ولا تغترَّ بكثرةِ الهالكين، ومن خطر بباله أن المسحَ باليدِ ونحوَه أبلغُ في
البركةِ فهو من جهالتِه وغفلتِه؛ لأن البركةَ إنما هي فيما وافق الشرعَ، وكيف
يُبتغى الفضلُ في مخالفةِ الصوابِ. اهـ من المجموع (8/157-158).
والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.