حوار مع جهمي في نفيه لصفة نزول الربِّ سبحانه وتعالى.
الدعوى
يقول الجهميُّ: النزولُ المضافُ إلى الربِّ عز وجل عندكم معشرَ المشبهةِ: نزولٌ حقيقيٌّ بذاتِه فهل يصيرُ الربُّ عند النزولِ: داخل العالم = حلول. خارج العالم = تعطيل لحقيقة النزول. لا داخل العالم ولا خارجه = نقضتم غزلكم ووقعتم فيما انتقدتموه على غيركم.
التعقّب
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وبعدُ.
يقول الجهميُّ: (سؤالٌ بـ100 مليون دينارٍ).
النزولُ المضافُ إلى الربِّ عز وجل عندكم معشرَ المشبهةِ: نزولٌ حقيقيٌّ بذاتِه فهل يصيرُ الربُّ عند النزولِ:
داخل العالم = حلول.
خارج العالم = تعطيل لحقيقة النزول.
لا داخل العالم ولا خارجه = نقضتم غزلكم ووقعتم فيما انتقدتموه على غيركم. اهـ كلامه.
والجوابُ:
هذا الكلامُ في ميزانِ العلمِ لا يساوي قشرةَ بصلةٍ -كما يقولون- واحدةً، تعرفون لماذا؟ لأنه كلامٌ بغيرِ طريقةِ النبيين ولا السلفِ الصالحين ولا الأئمةِ المهديين.
وهذه المنشوراتُ تؤكدُ ما قلناه مرارًا وتكرارًا من أن هؤلاء المعطلةَ لا يأخذون عقيدتَهم من الكتابِ والسنةِ وما عليه سلفُ الأمةِ الأكابرِ، وإنما يأخذونها من موروثاتِ الفلاسفةِ، فلا يُقنعهم ما تلقيه على أسماعِهم من ناطقِ الوحيِ كتابًا وسنةً.
وما أصدق ما قاله أحمدُ بنُ سنان القطانِ حيث قال: إذا ابتدع الرجلُ بدعةً نُزعت حلاوةُ الحديثِ من قلبِه.
لذا فإن الحقَّ والصوابَ أن يُقال: إن أصحابَ هذه المنشوراتِ هم المشبهةُ حقًّا والمجسمةُ صدقًا لأنهم يقيسون الغائبَ على الشاهدِ، يقيسون الخالقَ -سبحانه- على المخلوقِ ويُحاكمون الخالقَ -سبحانه- على قواعدِ العقلِ التي يُحاكمون عليها المخلوقَ، فلما ظنوا -جهلًا منهم- أن نزولَ الخالقِ -سبحانه- كمثلِ نزولِ المخلوقِ صاروا يُحاكمون ربَّهم -جلَّ اللهُ- على وفقِ تلك الحدودِ المنطقيةِ والقواعدِ الكلاميةِ، ومن ثم ينفون عن اللهِ ما وصف به نفسَه ووصفه به رسولُه -صلى الله عليه وسلم- فضلوا وأضلوا.
والذي قال: (ينزل الله) هو رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو أعلمُ الناسِ بربِّه وأفصحُهم لغةً وأحسنُهم بيانًا، وأنصحُهم للأمةِ، وبهذا تواترت الأخبارُ وصحت الآثارُ.
وقد قال أبو عمرو الداني في منظومتِه:
ومن صحيح ما أتى به الخبر — وشاع في الناس قديمًا وانتشر
نزول ربنا بلا امتراء — في كل ليلة إلى السماء
من غير ما حد ولا تكييف — سبحانه من قادر لطيف
ويقول أبو بكرٍ بنُ أبي داودَ في الحائيةِ:
وقل ينزل الجبار في كل ليلة — بلا كيف، جل الواحد المتمدح
إلى طبق الدنيا يمن بفضله — فتفرج أبواب السماء وتفتح
يقول ألا مستغفر يلق غافرا — ومستمنح خيرا ورزقا فيمنح
روى ذاك قوم لا يرد حديثهم — ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا
فالذي يتأولُ النزولَ على غيرِ معناه الظاهرِ واللائقِ باللهِ تعالى ويضربُ فيه الأمثالَ أو يحملُه على المجازِ ويقولُ: (ينزل أمره أو تنزل رحمته) هو بهذا يُخالفُ سبيلَ المؤمنين والأئمةَ المرضيين.
وقد قال الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكار: وقد قال قومٌ إنه ينزل أمره وتنزل رحمته ونعمته وهذا ليس بشيء -تأمل- لأن أمره بما شاء من رحمته ونقمته ينزلُ بالليلِ والنهارِ بلا توقيتٍ. اهـ كلامه -رحمه الله-.
وهؤلاء المعطلةُ لا يسعُهم ما وسِع السلفَ الصالحَ، ولا ما وسِع الأئمةَ الأربعةَ ولا من سار على طريقتِهم الأثريةِ، لأنهم لا يأخذون من الأئمةِ إلا ما يوافقُ أهواءَهم.
ولأن هؤلاء لا يُقنعهم الوحيُ فهو عندهم لا يفيدُ اليقينَ نقفُ سريعًا مع ما قاله الأئمةُ الأربعةُ في صفةِ نزولِ الربِّ سبحانه، وهل حقًّا يتبعُ أولئك المعطلةُ الأئمةَ الأربعةَ في سائرِ أبوابِ الدينِ أم أنهم فقط يتمسحون فيهم من أجلِ تمريرِ بدعِهم على الناسِ؟
يقول الإمامُ أبو حنيفة -رحمه الله- وقد سُئل عن نزولِ الربِّ -تبارك وتعالى- فقال: (ينزل بلا كيف) نقل هذا الصابونيُّ في كتابِه (عقيدة السلف أصحاب الحديث).
وفي كتابِ (أصول السنة) لابنِ أبي زمنين -المالكي- عن زهيرِ بنِ عبادٍ قال: كلُّ من أدركتُ من المشايخِ مالكًا وسفيانَ وفضيلَ بنَ عياضٍ وعيسى بنَ يونسَ وابنَ المباركِ ووكيعًا كانوا يقولون: (النزول حق). هذا هو المحفوظُ عن الإمامِ مالكٍ -رحمه الله-.
لذا قال ابنُ أبي زمنين -المالكي-: ومن قولِ أهلِ السنةِ أن اللهَ عز وجل ينزلُ إلى السماءِ الدنيا ويؤمنون بذلك من غيرِ أن يحدوا فيه حدًّا. اهـ كلامه.
وأما ما يُروى عن الإمامِ مالكٍ من أنه تأول صفةَ النزولِ بنزولِ (الأمر والرحمة) فغيرُ محفوظٍ فقد رُوي ذلك عنه من طريقين، الأولُ من طريقِ (حبيب بن أبي حبيب) قال عنه الإمامُ أحمدُ: كان يكذبُ.
بل قال عنه أبو داودَ: كان من أكذبِ الناسِ.
والطريقُ الثاني من طريقِ (جامع بن سوادة) وقد ضعفه الدارقطنيُّ وغيرُه.
ويقول الإمامُ الشافعيُّ -رحمه الله-: القولُ في السنةِ التي أنا عليها ورأيتُ أصحابَنا عليها أهلَ الحديثِ الذين رأيتُهم وأخذتُ عنهم مثلَ سفيانَ ومالكٍ: الإقرارُ بشهادةِ أن لا إله إلا اللهُ. إلى أن قال: وأنه يهبطُ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا كيف شاء بخبرِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- بذلك. اهـ من"اعتقاد الإمام الشافعي"للبرزنجي.
ويقول إسحاقُ بنُ منصور الكوسجُ: قلت لأحمدَ: ينزلُ ربُّنا -تبارك وتعالى اسمُه- كلَّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليلِ الأخيرُ إلى سماءِ الدنيا، أليس تقولُ بهذه الأحاديثِ؟ قال: كلُّ هذا صحيحٌ. اهـ
ويقول عبدُ الغني المقدسي: وتواترت الأخبارُ، وصحت الآثارُ، بأن اللهَ عز وجل ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا، فيجبُ الإيمانُ به، والتسليمُ له وتركُ الاعتراضِ عليه، وإمرارُه من غيرِ تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تأويلٍ، ولا تنزيهٍ ينفي حقيقةَ النزولِ. ولا يصحُّ حملُه على نزولِ القدرةِ، ولا الرحمةِ، ولا نزولِ الملكِ. ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غيرِ أن نصفَ له كيفيةً، أو نشبهَه بنزولِ [المخلوقين]. اهـ