هل يُشترط في العبادة المصروفة لغير الله قيد النيَّة واعتقاد الربوبية حتى تصير شركاً؟.
النصُّ المتعقَّب — بحروفِه
هل يُشترط في العبادة شرط النيَّة واعتقاد الربوبية؟.
الدعوى
ما هو ضابط
العبادة (الجامع المانع) التي يعد صرفها لأي أحد عبادة له:
فإن قلتم : نية
العبادة واعتقاد الربوبية فقد انهدم مذهبكم الخارجي في تكفير الأمة، فلا أحد من
المسلمين يعتقد ربوبية غير الله تعالى ولا ينوي عبادته.
وإن قلتم لا
تشترط النية ولا الاعتقاد فيلزمكم أن من طاف بالبيت وصلى دون نية العبادة ولا اعتقاد
ربوبية الله تعالى يلزمكم أن يكون عابدا لله تعالى، وهو باطل بالإجماع.. اهــ
التعقّب
الحمد لله..
وجوابا عن هذه التلبيس نقول:
أولا: هذا الحصر للتقسيم غيرُ صحيح، فهذه ثنائية زائفة، فثمة قسم ثالث وهو: قصد التعبد والتقرب للمصروف له مع الإقرار بأن الله هو الرب، وهذا هو حال مشركي العرب الذين قال الله فيهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).
بل وثمة قسمٌ رابع وهو أن يقصد إلى الفعل دون نية العبادة ولا اعتقاد الربوبية، بحيث يصرف العبدُ ما هو حقٌ لله، لغير الله، مع التلبس بالذل والخضوع، وهذا داخلٌ في الشرك.
من حديث أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى شَجَرَةٍ يَضَعُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ سَتَرْكَبُونَ سَنَنَ مَنْ كَانَ قبلكم.
والصحابة إنما طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يشرع لهم جَعْلَ الشجرة (مصدرً ا للبركة بجعل الله)، لا بذاتها، ومع ذلك جَعَلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلبهم مشابها لطلب قوم موسى من موسى (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)، ومقتضى هذا أنهم لو فعلوا ذلك لكان فعلهم عبادة، ولكانت الشجرة معبودا مع الله.
لما قَدِمَ عديُّ بنُ حاتمٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم، قال: أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم.
وفي الحديثِ: أنَّ التَّحليلَ والتَّحريمَ مِن خَصائصِ اللهِ جلَّ وعلا، وأنَّ مَن اتَّبعَ أحدًا في ذلك فقد اتَّخذَه إلهًا مِن دُونِه، وإن لم يعتقد في المحلل والمحرِّم أن فيه شيئاً من خصائص الربوبية، وهي ذات العلَة المتحققة فيمن صرف عبادة لغير الله تعالى وإن لم يعتقد فيه الربوبية، فيكفي في تحقق الشرك أن يصرف عبادة لغير الله مع الاتصاف بكمال الذل والخضوع.
ثانيا: تعريف العبادة المانع الجامع هو أن يقال: العبادة هي مقام اختياري مشتملٌ على غاية الذل والخضوع، وما يتبع ذلك من المحبة والتعلق والعمل..
فكل ما أمر الله به، وثبت على لسان الشرع أنه عبادة (محضة) فإن صرفه لغير الله شركٌ مطلقا، كالصلاة، والصيام، والحج، والنذر.
وما ثبتَ أنه ليس بعبادة محضة، فهذا لا بد فيه من القصد والنية حتى يتحقق فيه أنه شرك، كمطلق الدعاء، والنداء، والاستغاثة، والسجود على وجه التكريم، مما قد يكون عبادة في أحوال، ولا يكون عبادةً في أحوالٍ اخرى.
والذي يميز بين العبادة المحضة، وغير المحضة، هو النية والقصد، فكل من قصد فعلا فقد نواه، فلا ينفك الفاعل العاقلُ عن نية تتعلق بهذا الفعل وإلا كان مجنونا.
والمقصود هنا بيان خطأ تلك الثنائية التي ذكرها صاحب المنشور، فثمة قسمٌ ثالث وهو: قصد الفعلِ دون اعتقاد الربوبية، وهذا هو المطلوب، وهو ما عليه أهل الإشراك عموما.
ثالثا: إذا تقرر ما سبق، علمنا أن عبادة الله تعالى هي غاية الخضوع والذل له مع ما يستلزم ذلك من المحبة والتعلق والعمل، إلا أن ثمة شروط أخرى تتعلق بتصحيح عبادة الله تعالى وقبولها، وهذه الشروط هي: (غاية حبه، واعتقاد ربوبيته)، فلا تكون العبادة عبادة لله إلا مع كمال حبه، واعتقاد ربوبيته، ففي عبادة الله تعالى لا بد أن يجتمع اعتقاد الربوبية وكمال المحبة، ولكن ذلك الاجتماع ليس لتحقيق مفهوم العبادة وإنما لتصحيح العبادة وجعلها مقبولةً عند الله تعالى.
فلو أن مسلما خضع لله تعالى غاية الخضوع، وأحبه غاية الحب، وفعل جميع الطاعات من غير أن يعتقد أن الله متصفٌ بالربوبية، فإنه بذلك لم يأت بعبادة صحيحة يثاب عليها، لا لأنه لم يحقق أركان العبادة في نفسها، وإنما لكونه لم يأت بشرط العبادة الصحيحة المقبولة.
وأما النية في عبادة الله فإنها شرط في صحة العبادة وقبولها عنده سبحانه وتعالى، ولكنها ليست شرطا في عبادة غير الله، بحيث يتوقف وصف الفعل بأنه شرك على النية، ولا يوصف الفعلُ بأنه شرك إن لم تتحقق فيه النية، وذلكم أن النية هي قصد الفعل، فمن قصد الفعل فقد نواه، لذا قال ابن قدامة في المغني: "وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فِعْلَ شَيْءٍ، وَعَزْمُهُ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ".
وعمل النية هنا أن بها يحصل التفريق بين كون الفعل شركاً، أو ذريعة للشرك أو محرما تحريماً عظيماً، فبها يحصل التفريق بين مراتب المحرمات، فما كان من جنس الأفعال التي لا تتمحض عبادة كالسجود -مثلاً- فإنه يقال فيها: من سجد لأبيه على وجه التكريم فإنه فاعلٌ لمحرم، وهو من ذرائع الشرك، ومن سجد لأبيه أو لمعظم على وجه العبادة فإنه مشرك.
رابعا: يمكن أن نستعمل دليل القلب فنقول:
إن قلت: إن ضابط العبادة الشركية هو: (نية العبادة واعتقاد الربوبية في المدعو) فإنك بهذا تصحح عبادات المشركين الأولين، لأنهم على هذا ما عبدوا إلا الله (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) بل يلزم على هذا القول لزوما ضروريا أن من نادى إبليس أو استغاث به في قضاء حاجاته وكشف كرباته مع كونه لا يعتقد فيه أنه (ربٌ ولا إله) أن نداءه ليس بشرك لأن المنادي لا يعتقد في إبليس أنه رب ولا ينوي عبادته.
لذا كان من الغلط على الشريعة حصرُ الشرك بضابط اعتقاد صفة من صفات الربوبية، أو الألوهية فيمن صُرفت له العبادة، إذ يلزم من ذلك تصحيح شرك جميع الأمم المكذَّبة بالرسل، فعلى هذا القول فإن كل من عبد صنماً أو كوكباً أو قبراً وهو لا يعتقد فيه استقلالاً بالخلق والرزق والتدبير فليس بمشرك؛ وهذا يبطل شركَ الأمم قاطبة الذي قامت به حجة الرسل عليها، إذ قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ وهو مخالف لمقصود بعثة الرسل ودعوة جميع الأنبياء لأقوامهم والتي قامت على: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) لا "اعتقدوا أن الله هو الخالق وحده"؛ لأن توحيد الربوبية كان مُسلَّماً به عند أكثر الأمم المخاطَبة ولم يقع فيه النزاع والقتال، وإنما وقعت الخصومة والحرب في توحيد العبادة وحده، فلو صحّ هذا الضابط لما كان هناك معنى لبعثة الرسل أصلاً بعد أن أقرّ أقوامهم بالربوبية، ولَما قُوتل مشركو قريش، ولا استحلّت دماؤهم وأموالهم.
والحمد لله رب العالمين.