أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الثالث · تعقّبٌ علميّ

هل لرقص الصوفية أصلٌ في الدين؟

منهج ✓ أصلٌ مُحقَّق نسخةٌ مكتوبة

الدعوى

الزعم بجواز عبادة الله بالرقص والقفز كما يفعله الصوفية.

التعقّب

الحمدُ للهِ وبعدُ. سُئل ابنُ حجرٍ الهيتمي -عفا الله عنه- عَن رقص الصُّوفِيَّة عِنْد تواجدهم هَل لَهُ أصل؟ فَأجَاب بقوله: نعم، لَهُ أصل فقد رُوي فِي الحَدِيث أَن جَعْفَر بنَ أبي طَالب -رَضِي الله عَنهُ- رقص بَين يَدي النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- لما قَالَ لَهُ أشبهت خَلقي وخُلقي وَذَلِكَ من لَذَّة هَذَا الْخطاب وَلم يُنكر عَلَيْهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقد صَحَّ الْقيام والرقص فِي مجَالِس الذّكر وَالسَّمَاع عَن جمَاعَة من كبار الْأَئِمَّة مِنْهُم عز الدّين شيخ الْإِسْلَام ابْن عبد السَّلَام. اهـ والجوابُ عن هذا من وجوهٍ: أولًا: ينبغي أن نعلمَ -وهذه مسألةٌ منهجيةٌ مهمةٌ- أنه لا عصمةَ لأحدٍ بعد رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وأن كلامَ العلماءِ ليس دليلًا يُستدلُّ به وأن تتبعَ زلاتِ العلماءِ بابُ شرٍّ عظيمٍ فلا يتتبعُ زلاتِ العلماءِ إلا أهلُ الأهواءِ، وقد قال اللهُ تعالى لداودَ -عليه السلام-: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) لذا كان اتباعُ العلماءِ في زلاتِهم دليلًا على اتباعِ الهوى لا الهدى، ومن مقاصدِ الشريعةِ إخراجُ الناسِ من اتباعِ الهوى إلى اتباعِ الهدى، بل إن في تتبعِ زلاتِ العلماءِ انسلاخًا من حقيقةِ العبوديةِ للهِ وذلك بتركِ اتباعِ الدليلِ الذي أمر اللهُ باتباعِه، واتباعِ الخلافِ والشواذِّ من الأقوالِ والمسائلِ، فإنه لا يوجدُ محرمٌ أو بدعةٌ إلا وهناك من قال بجوازِها، إلا ما ندر من المسائلِ المجمعِ عليها. قال الإمامُ الأوزاعي -رحمه الله-: من أخذ بنوادرِ العلماءِ خرج من الإسلامِ. ثانيًا: أخبرنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وحذرنا من البدعِ وانتشارِها ودلنا على المخرجِ منها فقال كما في حديثِ العرباضِ: ((فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)). فاحرصْ يا مسلمُ على أمرِ دينِك ولا تأخذْ في أمرِ دينِك إلا بما دل عليه الدليلُ من الكتابِ أو السنةِ أو الإجماعِ وما عليه السلفُ الصالحُ في العقيدةِ والعملِ. لذا فإنه لا يحلُّ الأخذُ بما أفتى به ابنِ حجرٍ الهيتمي -عفا الله عنه- فإن ما أفتى به من جوازِ رقصِ الصوفيةِ هو من بابِ تتبعِ زلاتِ العلماءِ التي لا يجوزُ متابعتُهم عليها بل إنه يجبُ التحذيرُ منها لأنها بدعةُ ضلالةٍ حيث لم يقل بذلك أحدٌ من الصحابةِ والتابعين وتابعيهم ومن جاء بعدهم من أهلِ العلمِ والسنةِ. ثم إن ما استدل به الفقيهُ ابنُ حجرٍ -عفا الله عنه- لا يصحُّ دليلًا، فما استدل به لا يصحُّ فهي روايةٌ منكرةٌ، وما ذكره من لفظِ: ((فَرَقَص جعفر بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-)) ليس له أصلٌ في كتبِ السنةِ بل الواردُ لفظُ (فحجل) يعني: رفع رجلًا ومشى على الأخرى، ومع ذلك فقد أخرج الحديثَ بلفظِ (الحجل) البيهقيُّ -رحمه الله- في السننِ الكبرى والإمامُ أحمدُ -رحمه الله- في المسندِ وغيرُهم، وجميعُهم من طريقِ هانئ بنِ هانئ عن أبي إسحاقَ السبيعي، وهانئُ بنُ هانئ ضعيفٌ عند أهلِ الحديثِ، وأهلُ الحديثِ لا يقبلون حديثَه إذا تفرد لجهالةِ حالِه كما قال الحافظُ ابنُ حجرٍ -رحمه الله-، فلفظُ (الحجل في الحديث) منكرٌ غريبٌ كما قال محققو مسندِ أحمد. فضلًا عن وجودِ علةٍ أخرى في الحديثِ وهي تدليسُ أبي إسحاقَ السبيعي. بل إن الهيتميَّ -عفا الله عنه- نفسه قد ضعف ما نُقل عن الصحابةِ من الرقصِ والحجلِ حيث قال في كتابِه: (كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع ص44): وبما تقرر في هذا والذي قبله تعلمُ خطأَ صاحبِ ذلك الكتاب في نقله الاحتجاج على إباحة الرقص بحديث رقص الحبشة في المسجد، وبأن عليا وجعفرا وزيدا حَجَلوا لما بشرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ووجه خطئه ما تقرر أن رقص الحبشة لم يكن من الرقص المختلف فيه، وأن ما ذُكر عن هؤلاء الثلاثة رضوان الله عليهم كذب مختلق لا تحل روايته ولا الاحتجاج به. اهـ كلامه وقد نقل الحافظُ ابنُ حجرٍ -رحمه الله- عن الإمامِ القرطبي -رحمه الله- قولَه: وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال وأن ذلك يثمر سَنيَّ الأحوال وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المخرفة والله المستعان. اهـ (فتح الباري 2/571) وأخيرًا: نعوذُ باللهِ أن يكونَ الرقصُ والقفزُ والتصفيقُ مما يُعبدُ اللهُ به بل هو بدعةٌ وضلالةٌ، ودينُك يا مسلمُ هو أعظمُ شيءٍ يجبُ أن تحافظَ عليه، ودينُك هو ما جاء في الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والاجتهاداتِ المعتبرةِ التي تؤيدها الأدلةُ، وكلٌّ يُؤخذُ من قولِه ويُترك إلا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. واعلمْ أنه لا قداسةَ لقولِ أحدٍ من العلماءِ كائنًا من كان إلا بقدرِ موافقتِه للشرعِ والدليلِ، فاعلمْ هذا جيدًا واجعلْه منهجًا لك تتعاملُ فيه مع أقوالِ العلماءِ في هذا الزمنِ الذي اختلط فيه الحقُّ والباطلُ حتى صار الناسُ لا يميزون بين الشركِ والتوحيدِ وبين السنةِ والبدعةِ، واللهُ المستعانُ.