أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
القسم الثالث · تعقّبٌ علميّ

هل أهل الحديث مدرسة من مدارس الأشاعرة ؟ حوار مع سيف العصري.

عقيدة ✓ أصلٌ مُحقَّق نسخةٌ مكتوبة

الدعوى

أهل الحديث مدرسةٌ من مدارس الأشاعرة في الاعتقاد، و يسلكون في ذلك إما مسلكَ التفويض، أو التأويل!!

التعقّب

الحمد لله وبعد.. يدعي سيف العصري -الأشعري- أصلح الله حاله- أن أهل الحديث مدرسةٌ من مدارس الأشاعرة في الاعتقاد، وأنهم يسلكون في ذلك إما مسلكَ التفويض، أو التأويل فلماذا الاقتتال إذن؟!!.. وهذه الدعوى الفاسدةُ يُعلم بطلانها وفسادها من وجوه: الوجه الأول: أن تلك المقالة مجردُ دعوى، والدعاوى إن لم تُقم عليها البينات فستبقى مجردَ دعوى لن تراوح مكانها عند من يفهم لغة العلم، فالسلف لم يسلكوا لا مسلك التفويض، ولا مسلك التأويل، حيث إن صريح كلامهم يدل على إثبات الصفات، وذمهم لطريقة أهل الكلام. ومن ذلك-مثلاً- ما قاله عمرُ- رضي الله عنه- في قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها)) قال :((هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات)). ومن ذلك أيضاً ما قاله أنس-رضي الله عنه- أن زينب- رضي الله عنها- كانت تفخر على أزواج النبي-صلى الله عليه وسلم- وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجنيَ الله من فوق سبع سماوات.اهــ ويقول ابن مسعود- رضي الله عنه-(.. والعرش على الماء والله تعالى فوق العرش يعلم ما أنتم عليه).اهــ وهذه الآثار الصحيحة صريحةٌ في إثبات علوّ الله تعالى، فهل يجرؤ من يعتقد عقيدة التفويض أو التأويل أن يقول كما قال أصحابُ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أن الله فوق العرش، أو أنه-سبحانه-: قضى بكذا وكذا، أو حكمَ بكذا من فوق سبع سماوات؟! الجواب: قطعاً لا.. يقول حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء-يعني الجهمية-: أرأيتم قول الله عز وجل: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، وقوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ}، فهل يجيء ربنا كما قال، وهل يجيء الملك صفاً صفاً، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك، ولا ندري كيف جيئته. وقلنا لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه- تأمل- أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفاً صفاً، ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.اهــ (عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص63) الوجه الثاني: أن سلف الأشعرية هم الكلابية، وقد كان الإمامُ أحمد-رحمه الله- إمامُ أهلِ السنة- شديدا على ابن كلاب وأصحابه، حيث حذّرَ الإمامُ احمد من ابنَ كلاب وأتباعه، كالحارث المحاسِبي، وأبي العباس القلانسي. فابن كلاب هو أول من قال بالكلام النفسي ولم يسبقه في ذلك أحدٌ من العالمين، لذا قال الحافظ الذهبي-رحمه الله- في ترجمة ابن كلاب " من السير" قال: وكان يقول بأن القرآن قائمٌ بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سُبق إليه أبداً. اهـ بل قال ابن قدامة المقدسي-رحمه الله- في كتاب " المناظرة في القرآن": (لم يقله قبلَه مسلمٌ ولا كافر).اهــ لذا يقول أبو القاسم النصر أباذي-رحمه الله-: بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى، فلما مات لم يُصِلِّ عليه إلا أربعة نفر.. يقول ابو العباس ابن تيمية-رحمه الله- : ( وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها..، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا، فأثبت ابن كلاب قيامَ الصفاتِ اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرُهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله ).اهــ من درء التعارض 2/6 الوجه الثالث : أن أهل الحديث كانوا ينكرون أشدَّ الإنكار على من يقول بخلق القرآن حيث يعتقد أهل الحديث والسنة بأن القرآنَ كلام الله غيرُ مخلوق لأنه صفةٌ من صفاته، وأهل الكلام المذموم يقولون : القرآن الذي بين أيدينا مخلوق- عياذاً بالله- نعم،، الورق والحبر مخلوق، ولكن المكتوبَ والمتلوَّ والمقروءَ والمحفوظَ في الصدور ليس مخلوقاً بإجماع الأمة وكلامهم في هذا أشهرُ من أن يُشهر واظهرُ من أن يُظهر. لذا قال ابن أبي العز الحنفي- رحمه الله-: فأهل السنة كلُهم من المذاهب الأربعة وغيرِهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلامُ الله غير مخلوق.اهــ بل قال محمد بن الحسن الشيباني-صاحبُ أبي حنيفة- رحمهم الله-: من قال القرآن مخلوق فلا تصلِّ خلفه.اهــ الوجه الرابع : أن جمهور الأشاعرةَ ينبزون الحنابلةَ وأهلَ الحديث (بالحشوية) بمعنى : أنهم لا فهم لهم ولا معرفة، وقد وَصَفَ الجُوَيْنِيُّ في كتاب " الإرْشاد" مَنْ يُثْبِتُ أنَّ كلامَ اللهِ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ-كما عليه أهلُ السنة قاطبةً- بالحشوية، ومن يثبتُ عُلُوَّ اللهِ – سبحانه – الذّاتِيِّ واسْتِواءَهُ على العَرْشِ " بالْحَشَوِيَّةِ ". وإذا رَجَعْنا إلى مقالات أَئِمَّةِ السّنّةِ كالإمامِ مالِكٍ وأحمدَ والشافِعِيِّ والثَّوْرِيِّ وابنِ عُيَيْنَةَ والبُخارِيِّ – و غيرِهِمْ – وما ينقله عنهم كبار أصحابهم نَجِدُها عَيْنَ المقالاتِ التي لقبها أَئِمَّةِ المذهبِ الأشْعَرِيِّ " بالْحَشَوِ ". يقولُ الرّازِيُّ- "في تفسيره"- : .. وتَدُلُّ على فسادِ قَوْلِ "الْحَشَوِيَّةِ" الذين يقولونَ نَسْتَفيدُ معرفةَ اللهِ والدّينِ مِنَ الكتابِ و السّنّةِ.اهــ والسؤال: من أين نستفيد معرفة الله والدين إذا لم نستفدها من الكتاب والسنة؟! إن ما سبق-وغيره- يدل على أن الاختلاف بين أهل الحديث، وأهل الكلام هو اختلافٌ منهجيٌ وليس لفظياً، وأن أهل الحديث مفارقون لطريقة الأشاعرة التأويلية والتفويضية من كل وجه.. الوجه الخامس : أن الأزمة العقيدية بين أهل الحديث والحنابلة من جهة،، والأشعرية من جهة أخرى في القرنين الخامس والسادس الهجري، والتي وصلت لحدّ التقاتل والاقتتال خيرُ شاهد وبرهان على اختلاف المدارس والعقائد بين الأشاعرة وأهل الحديث، ومن أشهر ذلك : فتنة ابنِ القشيري في بغداد سنة(469هـ) ومنها فتنة البكري أيضاً في بغداد سنة (476هــ) ومنها فتنة ابن تومرت في المغرب العربي في القرن السادس، وفيها كَفّر ابن تومرت الناس ورماهم بالتشبيه والتجسيم، وأجبرهم بالقوة والسيف على اعتناق مذهب أهل الكلام المذموم بعدما كانوا على طريقة السلف، فلو كان السلف يسيرون على طريقة التأويل أو التفويض لما حصل شيء من ذلك النزاع لأنهم -على حدِّ زعم المتكلمين- مدرسةٌ واحدة والخلاف بينهم خلافُ مدارس ضمن إطار البيت الأشعري.. وأما الزعم بأن الفتنة إنما كانت تقع بين الأشاعرة والمجسمة دون غيرهم ممن يسمونهم "بفضلاء الحنابلة" فكذبٌ له قرون، فلا يُعرف بين المسلمين فرقةٌ اسمهما المجسمة، ولا يُعرف عن أهل الحديث قطّ أنهم كانوا مجسمة، بل هم أبعدُ عن التجسيم والتشبيه بعدَ الشمس عن اللمس، وإنما عُرف التجسيم قديما عن أفراد قلائل ليسو منسوبين لأهل السنة أصلاً وفرعاً بل هم رافضة منهم : هشام بن الحكم، والجواريبي ،وهشام بن سالم الجواليقي، فليس هناك في الأمة المسلمة تشبيه وتجسيم ولكن في الأمة- على التحقيق- تأويلٌ وتعطيل. الوجه السادس : أن من صَنَّفَ في الفرق والمقالات يقرر أن أهل الحديث وأهلَ الكلام المذموم فرقتين مختلفتين متباينتين. فهذا الإمام أبو الحسن الأشعري-رحمه الله- يذكر في كتابه: (مقالات الإسلاميين) أن الكلابية -وهم شيوخ الأشعرية- فرقة مباينة لأهل الحديث وإن كانوا أقربَ إلى أهل الحديث من غيرهم. يقول أبو الحسن الأشعري – رحمه الله-:( اختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية والبكرية والعامة وأصحابُ الحديث والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان). اهــ الوجه السابع – والأخير-: أن طريقة التأويل والتفويض تتناقض من كل وجه مع منهج أهل الحديث وطريقتهم في التعامل مع النصوص، وما دلت عليه قواطع الشرع، حيث دلَّ على فساد طريقة التأويل: وجوبُ حملِ النصوص على ظواهرها، إذ لو كان المرادُ بها غيرَ ظاهرها لكانت كذباً، وذلك محال. ويكفي في بيان فساد طريقة التفويض ما قاله أبو القاسم القشيري- رحمه الله- : ( كيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله تعالى مالا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يَعلمُ تأويله إلا الله، أليس هذا من أعظم القدح في النبوات؟ وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى، وأنه دعا الخلق إلى علمِ مالا يعلم. أليس الله يقول: (بلسان عربي مبين) فإذن على زعمهم يجب أن يقولوا: كَذَب، حيث قال (بلسان عربي مبين) إذ لم يكن معلوما عندهم، وإلا فأين هذا البيان؟ وإذا كان بلغة العرب فكيف يُدَّعى أنه مما لا تعلمه العرب، ونسبة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل أمرٌ عظيم لا يتخيله مسلم، فانَّ الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف، وقول من يقول: استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها، واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها، والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه ضِمْنُهُ تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل ).اهــ فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن أهل الحديث يسيرون على طريقة أهل التفويض أو التأويل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.. والحمد لله رب العالمين..