أنت غير متّصل — ما حُمِّل من الأرشيف يبقى متاحًا للقراءة

الموقع الرسمي الدكتور محمد بن يوسف خشاند. خشان منصّةٌ رقميّةٌ تُوثّق الإنتاجَ العلميَّ للدكتور محمد بن يوسف خشان
EN
ترسيخ مفهوم التوحيد في الصيام
مقالة

ترسيخ مفهوم التوحيد في الصيام

٤ دقيقة أصلٌ مُحقَّق
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه ،خيرة خلق الله خليله ومجتباه، وعلى آله وصحبه ومن والاه. خلق الله الخلق من أجل أن يعبدوه، وبالألوهية يفردوه، قال الله تعالى : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) ومعنى (ليعبدون) أي : ليوحدون. وحقيقة هذا التوحيد،وهذه العبودية أنها حال في القلب والجوارح تجعل العبد مقبلا على الله بقلبه وجوارحه، متعلقاً به دون ما سواه من المخلوقين. وهذا التوحيد إذا ما قوي في القلب كانت العبادة أثبتَ،والإقبالَ على الله أدومُ أقوم. كما أن العبادة إذا قويت وأداها العبد على أحسن الوجوه، إخلاصا، ومحبة، وموافقة للسنة كان هذا مرسخاً للتوحيد في القلب. فالعلاقة بين الظاهر والباطن علاقة تلازمية، فالتوحيد يولد العبادة الراسخة، والعبادة ترسخ التوحيد وتقوّيه، كحال الشجرة، فإن الأغصان والأوراق تستمد من الجذور، وكذلك الجذور تقوى بقوة الأغصان والأوراق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- كما في الفتاوى-( 7/541) : لكن القلب هو الأصل،والبدن فرع له،والفرع يستمد من أصله،والأصل يثبت ويقوى بفرعه...كالشجرة كلما قوي أصلها وروي قويت فروعها،وفروعها أيضاً إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها.اهــ ومن هنا فإن الصيام من العبادات التي إذا أداها العبد بإخلاص لله،وموافقة للسنة كان ذلك دليلا على قوة التوحيد في القلب، مما يترتب عليه عظيم الأجر والثواب عند الله – جل وعلا- فتفاضل الأعمال إنما هو بحسب ما قام في قلب العبد من الإيمان والإخلاص. ففي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي... وأرجح الاقوال في معنى : (( فإنه لي وأنا أجزي به )) أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف إلا الصوم، فإن ثوابه لا يقدر قدره إلا الله، فلذلك يتولى جزاءه بنفسه، ولا يكله إلى ملائكته. والموجب لاختصاص الصوم بهذا الفضل أن سائر العبادات مما يطلع عليه العباد، والصوم سر بين العبد وبين ربه، يفعله خالصاً لوجه الله تعالى، ويعامله بها طالباً لرضاه. والصائم يستشعر عبوديته لربه، ومراقبة له – سبحانه- في كل لحظة من اللحظات،فهو وإن خلا بنفسه فإنه يمنعها من الطعام والشراب لأنه يستحضر في قلبه أنه يعبد ربا واحدا يسمعه ويراه. وهو - أيضا- يحفظ لسانه من الكلام الحرام،والنظر الحرام ،بل ويحفظ قلبه من الخلجات الحرام لأنه يستحضر عبوديته ومراقبته لربه -جل وعلا- في كل أحواله. ومن هنا كان الصيام من أعظم العبادات التي تربي المسلم على حقيقة التقوى إذا أداه كما يجب، وقد قال الله تعالى : ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )).. وقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه... ومعنى (إيمانًا): تصديقا وإقرارا ،وانقيادا وإذعانا، و معنى : (احتسابًا) أي طلبًا للثواب عليه من الله.. فقبول الأعمال في رمضان،وفي غير رمضان،إنما يكون على قدر الإيمان والإذعان،فكمال العبادة، وصحتها دليل على كمال التوحيد،وضعف العبادة،والانتقاص منها دليل على ضعف التوحيد. اللهم اجعلنا ممن حقق التوحيد بكماله وتمامه،واجعل أعمالنا – يا ربنا - كلها صالحة، و لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد من الخلق فيها شيئًا،والحمد لله رب العالمين..