السؤال
ما حكم عبارة: اللهم صل على محمد حتى يرضى محمد؟.
الجواب
ج. الحمد لله..
إن هذه الصيغة من الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم-، قاصرةٌ وفيها إشكالات منها:
أولاً: أن الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم- عبادةٌ لله، والغاية والنية والمقصد في العبادة هي طلب مرضاة الله سبحانه، فلا تُجعل الغايةُ فيها والمنتهى أن يرضى الرسول-عليه الصلاة والسلام-، فهذا نقصٌ في العبادة، إذ جعلنا المنتهى فيها رضى الرسول-صلى الله عليه وسلم- فإذا رضي انتهينا، وحقها أن تكون لله مطلقة دائمة.
ثانياً: أنه لا يجوز للمسلم أن يجعل رضا النبي-صلى الله عليه وسلم- من الصلاة عليه غايةً ومنتهى، فالذي يطلع عليه النبي-صلى الله عليه وسلم- من أحوال أمته هو الصلاة والسلام عليه، فهو يسمعها من القريب، ويبلَغُها من البعيد، ففي الأرض ملائكة سياحون يبلغون النبي من أمته السلام.
وأما أنه يرضى، أو يفرح، أو يحزن، أو يعلم أحوال أمته-صلى الله عليه وسلم- فهذا مما لا مستند له ولا دليل من كتاب ولا سنة، حيث انقطعت صلة النبي-صلى الله عليه وسلم- بأحوال أهل الأرض وانتقل إلى الرفيق الأعلى.
** ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ... وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مَنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم).
فهنا قال: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)
وقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
أما حديث: (تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فما كان من حسن حمدت الله عليه وما كان من سيئ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ "). فهو حديث ضعيف.
لذا قال البوصيري في "إتحاف الخيَرة المهرة: هَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ جِسْرُ بْنُ فَرْقَدٍ الْقَصَّابُ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَصْرِيُّ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ وَثَّقَهُ.
ثالثاً: أنَّ تلك الصيغة المخترعة تخالف الصيغة المشروعة الواردة على لسان معلم الناس الخير-صلى الله عليه وسلم- والتي جاءت بالتعظيم والمضاعفة وليس بالتحديد برضى النبي-صلى الله عليه وسلم- حيث جاء في الصيغة المشروعة :( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم).
ومعلوم أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الكثر، والنبي- صلى الله عليه وسلم- هو رأس آل إبراهيم وأفضلُهم على الإطلاق، فإذا كان "المُشبَّه به" في قوله: (كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم) هو مجموع الصلوات الممنوحة لإبراهيم وآله -وفيهم الأنبياء مجتمعين-، فإن المطلوب لمحمد-صلى الله عليه وسلم- وآله هو صلاة تساوي في العظمة والقدر مجموعُ تلك الصلوات التي فُرِّقت على كل أنبياء آل إبراهيم، فتدبر هذا المعنى فإنه من أشرف المعاني.
وما أحسنَ ما قاله ابن القيم بعدما عرض الأقوال في المسألة، قال: وأحسنُ من هذه الأجوبة كلِها: (أن محمدًا ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل إبراهيم... فإذا سألنا الله تعالى أن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على إبراهيم وعلى آله، دخل النبي ﷺ في آل إبراهيم دخولًا أوليًّا، فيكون المطلوب له من الصلاة الغايةُ التي لم يحصل عليها أحد سواه.) انتهى كلامه.
فما أحسن أن يلزم المسلم الهدي المشروع الوارد على لسان معلم الناس الخير-عليه الصلاة والسلام- فهو الخير الأكمل والأمثل لو كنا نعلم.
مع العلم أنه يجوز للمسلم أن يصلي على النبي- صلى الله عليه وسلم- بالألفاظ والصيغ غير المأثورة، بشرط ألا تشتمل على إشكال أو محذور، كقولك: (اللهم صل وسلم على نبينا محمد)، أو: (اللهم صل وسلم على سيدنا محمد) ونحوها من الصيغ المختصرة، خاصةً في الأزمنة التي يُسنُّ فيها الإكثار من الصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم- وإنما المقصود هنا هو التنبيه على وجوب ترك الألفاظ والأوراد غير المأثورة مما اشتمل على مخالفات أو إشكالات أو معانٍ قاصرة.
والحمد لله رب العالمين..
الجوابُ مرئيًّا
لا تسجيلَ لهذا — والنصُّ المكتوبُ هو الأصل.