محبطات الاعمال (4) تقديم العقول والآراء على السنّة
THE THEME
خطورة تقديم الآراء أو العقول أو الأهواء على السنّنة وبيان أن ذلك محبط للعمل.
إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعدُ.
لا زلنا نتحدثُ عن محبطاتِ الأعمالِ.
وقد تكلمنا في خطبٍ مضت عن الرياءِ وخطرِه، وتحدثنا عن العجبِ وضررِه، وتحدثنا عن التألي على اللهِ، والحكمِ بأحكامِ اللهِ.
وإن مما يبطلُ أعمالَ العبدِ أيضًا ويردُّها في وجهِ صاحبِها ((رفع الصوت بين يدي رسول الله)) -صلى الله عليه وسلم-، وتقديمَ الآراءِ والعقولِ على سنةِ الرسولِ -صلوات ربي وسلامه عليه- بعد مماتِه.
قال اللهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).
معاشرَ المؤمنين.
نزلت هذه الآيةُ العظيمةُ على إثرِ جدالٍ جرى بين أبي بكرٍ وعمرَ -رضي الله عنهما- فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي، وَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فنزل قولُ اللهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
قال التابعيُّ الجليلُ ابنُ أبي مليكةَ: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ -أي لا يكادُ يسمعُ الرسولُ كلامَه من شدةِ خفضِه لصوتِه- رضي الله عنه.
قال ابنُ القيم: والقولُ الجامعُ في معنى الآيةِ: لا تعجلوا بقولٍ ولا فعلٍ حتى يقولَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أو يفعلَ، والتقدمُ بين يدي سنتِه بعد وفاتِه كالتقدمِ بين يديه في حياتِه.
وللسلفِ -رضي الله عنهم- أحوالٌ شريفةٌ في تعظيمِ سنةِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-، وفي التأدبِ مع حديثِه والاستسلامِ لأمرِه والانقيادِ لحكمِه.
روى البخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ مغفلٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ وَقَالَ إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ وَأَنْتَ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا.
وهذا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يحدثُ أبناءَه بحديثِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إذا استأذنت امرأةُ أحدِكم إلى المسجدِ فلا يمنعْها، فقال بلالُ بنُ عبدِ اللهِ: واللهِ لنمنعُهن، قال سالمٌ: فأقبل عليه عبدُ اللهِ فسبَّه سبًّا سيئًا ما سمعتُه سبَّ مثلَه قط وقال: أخبرُك عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وتقولُ: واللهِ لنمنعُهن؟
ويقول أبو قلابة: إذا حدَّثت الرجلَ بالسنةِ فقال «دعنا من هذا وهات كتاب الله» فاعلمْ أنه ضالٌّ.
وذلك أن السنةَ مثلُ كتابِ اللهِ، فهي وحيٌ من عندِ اللهِ.
وهذا الإمامُ الشافعيُّ يُسأل عن مسألةٍ فقال: رُوي فيها كذا وكذا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال السائلُ: يا أبا عبدِ اللهِ، تقولُ به؟ فارتعد الشافعيُّ وانتفض وقال: يا هذا، أيُّ أرضٍ تقلُّني، وأيُّ سماءٍ تظلُّني إذا رويت عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حديثًا فلم أقل به؟ نعم، عليَّ السمعُ والبصرُ.
قال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل: من رد حديثَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فهو على شفا هلكةٍ.
فما أحوجَنا -عبادَ اللهِ- أن نتبعَ سنةَ نبينا، وطريقَ سلفِنا، فنكونَ متبعين غيرَ مبتدعين، غيرَ ضالين ولا مضلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
الخطبةُ الثانيةُ.
إن مما يندى له الجبينُ أن كثيرًا من الناسِ ممن لم تتربَّ قلوبُهم على تعظيمِ السنةِ أنهم إذا سمعوا حديثًا صحيحًا لم تستوعبه عقولُهم القاصرةُ، ردوه وأنكروه، وكثيرٌ من أولئك -وللأسف- من الطبقةِ المثقفةِ، ومن دكاترةِ الشريعةِ في الجامعاتِ، بل وممن يُشار إليهم بالبنانِ، فأيُّ جيلٍ من الدعاةِ والمدرسين سيخرجُه أولئك الدكاترةُ والمثقفون؟ ! إنه جيلٌ -بلا شك- يتربعُ على قمةِ الهرمِ في الفشلِ والانحرافِ.
وقد أنكر بعضُهم حديثًا فقيل له: إنه في صحيحِ مسلمٍ، فقال: ضعه تحت قدمِك! ويقول آخرُ -وبكلِّ وقاحةٍ- تعليقًا على حديثِ «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم.»: يقولُ: أنا آخذُ بقولِ الطبيبِ ولا آخذُ بقولِ الرسولِ! يا جاهلُ، الرسولُ ما قال هذا إلا عن وحيٍ، وحتى لو قاله اجتهادًا من عنده، أهكذا يكونُ الأدبُ مع رسولِ اللهِ؟ ! ويقول آخرُ: إذا عارض الحديثُ العقلَ فردَّه. فقيل له: وإن كان في صحيحِ البخاري؟ قال: وإن كان في صحيحِ البخاري، ولا كرامةَ!