You are offline — what has already loaded remains readable

OFFICIAL WEBSITE Sheikh Dr. Mohammed bin Yousef KhashanProf. Dr. Khashan A digital platform documenting the scholarly output of Sheikh Dr. Mohammed bin Yousef Khashan
ع
Home › Friday Sermons › Sermon 28
SECTION FOUR · WRITTEN SERMON

خطر الخوارج "هم العدو فاحذرهم"

9 min read ✓ Verified original

THE THEME

خطر الخوارج

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عباد الله،

لقد بعث الله -جل وعلا- نبيه عليه الصلاة والسلام بأكمل شريعة وأحسنها وأشملها وأنفعها للعباد والبلاد، فاستقرت دولة الإسلام بسبب تلك الشريعة آمنة مطمئنةً مجتمعةً على كلمة سواء، ثم حصل بين المسلمين من التفرق والاختلاف ما حصل، وذلك حين ظهرت البدع وأطلّت برأسها على الأمة المحمدية، وأول تلك البدع المشؤومة التي ظهرت بوادرها ومقدماتها في هذه الأمة المرحومة هي بدعة الخوارج.

عباد الله،

إن الخوارج -بما هم عليه من عقيدة مشوهة وتصرفات فاجرة- يسيئون للدين، وينتهكون حرمة دماء الآمنين.

وتأمل -أيها المسلم- فيما قاله عبد الله بن سلام -حين كان يهوديًّا- لما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أولَ ما رآه حين قدم المدينة، قال: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ جِئْتُ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».

تأمل في قوله: فكان أول ما قال: «يا أيها الناس، أفشُوا السلام».

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا».

هكذا هي دعوة الإسلام: دعوة رحمة وسلام، لا دعوة قتل وسفك للدماء المعصومة.

إن فكر الخوارج فكر ضالّ، خطيرٌ على الأمة والمجتمع؛ فهو فكرٌ تكفيري متشدد متهور، يقوم على تكفير المجتمعات، فضلًا عن تكفير الحكام والحكومات، بل وتكفيرِ كلِّ من يعملُ تحت ظل هذه الحكومات. وإن من صور جهلهم وضلالهم أنهم لا يصلون في مساجد المسلمين؛ لأنهم يرون بطلان الصلاة خلف أئمة المساجد. تعرفون لماذا الصلاة باطلة؟ لأن الإمام يعمل موظفًا في وزارة الأوقاف، والتي هي جزءٌ من الحكومة التي يعتقدون كفرها؛ لأنها تعمل تحت ظل الحاكم الكافر... تسلسلٌ في التكفير! قاتل الله الجهل ما أقبحه!

عباد الله،

لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو في الدين، والذي هو أساس منهج الخوارج.

فمن حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين».

ومن حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ من غير قريش -قَالَ:- فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: أَتُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأَتَأَلَّفَهُمْ". فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ! -قَالَ:- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ؟! أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِي؟!" قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ -يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ"».

وفي لفظ أحمد في مسنده قال عليه الصلاة والسلام: «والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل عليكم مني».

ثم قال: «يخرج في آخر الزمان قومٌ كأن هذا منهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال».

وفي الصحيحين أيضًا من حديث سويد بن غفلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ».

الخطبة الثانية

مما ذكرته لنا كتب التاريخ من حال الخوارج ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- في «البداية والنهاية»: حينما عاث الخوارج فسادًا في البلاد في زمن علي -رضي الله عنه- أسروا عبد الله بن خبّاب صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: من أنت؟ فقال: عبد الله بن خباب صاحبِ رسول الله، وأنتم قد روّعتموني. فقالوا: لا بأس عليك، حدّثنا ما سمعت من أبيك. فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». فقادوه، فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضُهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة، فضربه بعضهم بسيفه فشقّ جلده، فقال له آخر: لِمَ فعلت هذا وهو لذمّي؟! فذهب إلى ذلك الذمي فاستحلّه وأرضاه. وبينما هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة، فأخذها أحدهم فأكلها، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟! فألقاها ذلك من فمه. ومع هذا قدّموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته، فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله عز وجل؟! فذبحوها وبقروا بطنها.

عباد الله،

في هذه الأحاديث والأحداث بيانٌ لضلال الخوارج، وانحرافهم عن الحق والعدل والصواب، فضلًا عن شدة إجرامهم:

ففيها: أن الخوارج أصحابُ عبادات وطاعات، ومع ذلك حكم عليهم الشرع بالضلال؛ لخروجهم على أمة محمد بالقتل والتخريب وسفك الدماء.

وفيها: أنهم سفهاء الأحلام وحدثاء الأسنان؛ أي: هديهم وطريقتهم السفه والطيش والتهور والجهل، وانعدام المرجعية العلمية.

وفيها: أن الخوارج باقون إلى أن تقوم الساعة.

وهذا يوجب على ولاة الأمور محاربة هذا المنهج الخطير بالعلم والبيان والحجة والبرهان، بالإضافة إلى العقوبات الرادعة؛ فمن لم يقنعه الدليل أقنعه العقاب الذليل.

والحمد لله رب العالمين.