You are offline — what has already loaded remains readable

OFFICIAL WEBSITE Dr. Mohammed bin Yousef KhashanDr. Khashan A digital platform documenting the scholarly output of Dr. Mohammed bin Yousef Khashan
ع
HomeFriday SermonsSermon 5
SECTION FOUR · WRITTEN SERMON

أسباب النجاة من الفتن.

10 min read ✓ Verified original

THE THEME

في كثرةِ الفتنِ واشتدادِها إشعارٌ للعبادِ بقربِ المعادِ، واستشعارُ هذا القربِ يوجبُ على العبدِ أن يقبلَ على اللهِ وأن يستعدَ للقائه.

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». عباد الله.. في كثرةِ الفتنِ واشتدادِها إشعارٌ للعبادِ بقربِ المعادِ، واستشعارُ هذا القربِ يوجبُ على العبدِ أن يقبلَ على اللهِ وأن يستعدَ للقاءِ اللهِ. قال الله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ). وفي الصحيحِ أن سائلًا سأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: متى الساعةُ؟ فقال: ماذا أعددتَ لها؟ وتأمل حسنَ إرشادِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وحسنَ تعليمِه، حيث دل هذا السائلَ إلى ما فيه نفعُه وصلاحُه في شأنِ الساعةِ وهو الإعدادُ والعملُ. والفتنُ إذا نزلت واستعرت ثم لم يتعامل معها العبادُ بالوسائلِ الشرعيةِ فحينئذٍ لن يقتصرَ شرُّها على أناسٍ دون أناسٍ أو على أشخاصٍ دون آخرين، بل ستعمُّ الناسَ جميعًا حتى الصالحين منهم. قال الله جل وعلا: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). إذن كيف النجاةُ من الفتنِ وهي أمرٌ واقعٌ ما له من دافعٍ؟ والجوابُ: إن الفتنَ إذا وقعت فإن لها موقعينِ: موقعًا في القلبِ، وموقعًا في الأرضِ. فمن أخذ بالأسبابِ الشرعيةِ المُنجيةِ من الفتنِ، وقعت الفتنةُ في الأرضِ ولم تقع في قلبِه، فيبقى قلبُه طيبًا سليمًا بإذنِ اللهِ. ومن لم يأخذ بالأسبابِ الشرعيةِ المُنجيةِ من الفتنِ، وخاض فيها وقعت الفتنةُ في قلبِه، فتزلُّ قدمُه ويضطربُ موقفُه، فيصيرُ متخبطًا في ظلماتٍ بعضُها فوق بعضٍ إذا أخرج يدَه لم يكد يراها، وهذا هو معنى قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذي في الصحيحين: (سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهِ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ). وإن مما ينجي المؤمنَ من الفتنِ أمورٌ: أولها وأعظمها: الاعتصامُ بالكتابِ والسنةِ، فإنه ما فسدت الحياةُ إلا بتركِ طرفَي المنهجِ الربانيِّ الكتابِ والسنةِ، وعدمِ تحكيمِها في دنيا الناسِ. قال الله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا). أي: احذروا من مخالفةِ أمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه فعاقبةُ ذلك الولوجُ في الفتنةِ، كما قال اللهُ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ). وروى الدارميُّ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: إن هذا القرآن حبل الله، والنور والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه. ثانيًا: لزومُ جماعةِ المسلمين وإمامِهم، ونبذُ الفرقةِ والاختلافِ. قال الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا). وقال الله: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). فاجتماعُ المسلمين على الحقِّ، وعلى طاعةِ إمامِهم، ونبذِ الفرقةِ والحزبيةِ والتعصبِ هو من أبرزِ صفاتِ أهلِ السنةِ والجماعةِ، ولذلك سُموا (أهل السنة والجماعة) فهم ليسوا أهلَ بدعةٍ وفرقةٍ. فالإسلامُ لا يعرفُ الفرقَ والأحزابَ، أو ما يُعرفُ بأحزابِ المعارضةِ، والتي تكونُ دائمًا وأبدًا معارضةً. الإسلامُ لا يعرفُ إلا جماعةً واحدةً وحزبًا واحدًا هي جماعةُ المسلمين الواحدةُ. الإسلامُ لا يعرفُ الثوراتِ والمظاهراتِ التي ما جرت على الأمةِ إلا الدمارَ والويلاتِ. وقد روى الترمذيُّ من حديثِ ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: عليكم بالجماعةِ، وإياكم والفرقةَ. وعند الترمذيِّ أيضًا من حديثِ عمرَ أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: من أراد بحبوحةَ الجنةِ فليلزمِ الجماعةَ. ثالثًا: التقوى وملازمةُ العبادةِ، وقد روى الطبرانيُّ في الكبيرِ عن معقلِ بنِ يسارٍ أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: العبادةُ في الفتنةِ كهجرةٍ إليَّ. قال العلماءُ: وجُعل هذا الفضلُ للعبادةِ في زمنِ الفتنةِ لأن الفتنَ تفسخُ عزائمَ القلوبِ، وتشتتُ العقولَ، فلا يكادُ يلتفتُ القلبُ إلى الطاعةِ، أو يأنسُ بها، والموفقُ من وفقه اللهُ. ومن أجلِّ العباداتِ التي ينبغي أن ينصرفَ إليها المسلمُ في زمنِ الفتنِ (الدعاء)، ومن ذلك دعاءُ الكربِ: لا إله إلا الله الحليمُ الحكيمُ لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمِ، لا إله إلا الله ربُّ السماواتِ والأرضِ وربُّ العرشِ الكريمِ. ومنها : كثرةُ ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال اللهُ: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، قيل: اذكروني في النعمةِ والرخاءِ أذكركم في الشدةِ والبلاءِ. رابعًا: الاستعاذةُ باللهِ من الفتنِ، فقد روى مسلمٌ في صحيحِه من حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وعلمنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن نستعيذَ باللهِ من الفتنِ في كلِّ صلاةٍ فقال -كما في الصحيحين-: إذا تشهد أحدُكم فليستعذْ باللهِ من أربعٍ يقولُ: اللهم إني أعوذ بك من عذابِ جهنمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدجالِ. الخطبة الثانية.. الحمد لله وبعد. عباد الله.. وإن مما ينجي من الفتن خامساً: البعدُ عن الفتنِ، وإمساكُ اللسانِ عن الخوضِ فيها. روى الإمام مسلمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، أَبْيَضَ كَالصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». والحمد لله رب العالمين.