محبطات الأعمال (6) سوء الخُلُق
THE THEME
مما يُحبط العمل سوء الأخلاق.
إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعدُ.
لا زلنا نتحدثُ عن محبطاتِ الأعمالِ.
وقد تحدثنا في خطبةٍ مضت عن المنِّ والأذى، وهو أن يتحدثَ الإنسانُ بما فعل من خيرٍ، أو بما بذل من مالٍ على سبيلِ التكبرِ والتعالي.
ونتحدثُ اليومَ عن مفسدٍ آخرَ من مفسداتِ الأعمالِ، نتحدثُ عن سوءِ الخلقِ.
روى الطبرانيُّ في المعجمِ الكبيرِ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أن رجلًا جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ أيُّ الناسِ أحبُّ إلى اللهِ وأيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أحبُّ الناسِ إلى اللهِ تعالى أنفعُهم للناسِ وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عز وجل سرورٌ يدخلُه على مسلمٍ أو يكشفُ عنه كربةً أو يقضي عنه دينًا أو يطردُ عنه جوعًا ولأن أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ (يعني: مسجد المدينة) شهرًا ومن كف غضبَه ستر اللهُ عورتَه ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يمضيَه أمضاه ملأ اللهُ قلبَه رجاءً يومَ القيامةِ ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تتهيأ له؛ أثبت اللهُ قدمَه يومَ تزولُ الأقدامُ، وإن سوءَ الخلقِ يفسدُ العملَ كما يفسدُ الخلُّ العسلَ.
عبادَ اللهِ.
ينشأُ سوءُ الخلقِ من مرضين اثنين هما الظلمُ والجهلُ.
قال اللهُ: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).
فالجهلُ دواؤه العلمُ، والظلمُ دواؤه تزكيةُ النفسِ، قال اللهُ: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
معاشرَ المؤمنين.
لقد عظمت الشريعةُ من شأنِ سوءِ الخلقِ، وحذرت، حتى استعاذ منه رسولُ اللهِ -صلوات ربي وسلامه عليه-.
فمن حديثِ جابرٍ قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاةَ كبَّر، ثم قال: «إنَّ صَلاَتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَالِ وَسَيِّئَ الأَخْلاَقِ لاَ يَقِي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ».
ومن حديثِ ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أهلُ الجنةِ من ملأ اللهُ تعالى أذنيه من ثناءِ الناسِ خيرًا وهو يسمعُ وأهلُ النارِ من ملأ اللهُ تعالى أذنيه من ثناءِ الناسِ شرًّا وهو يسمعُ.
ومن حديثِ حارثةَ بنِ وهبٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة الجواظ -المنوع الصعب-، ولا الجعظري -الفظ الغليظ-».
ومن حديثِ أبي الدرداءِ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء».
ومن حديثِ أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إن فلانةَ تكثرُ من صلاتِها وصدقتِها وصيامِها غيرَ أنها تؤذي جيرانَها بلسانِها، قال: «هي في النار».
ثم قال: يا رسولَ اللهِ، فلانةُ يُذكر من قلةِ صيامِها وصلاتِها وأنها تتصدقُ بالأثوارِ من الأقطِ، ولا تؤذي جيرانَها، قال: «هي في الجنة».
وقد روى الإمامُ مالكٌ عن يحيى بنِ سعيدٍ:
أن عيسى ابنَ مريم -عليه السلام- لقي خنزيرًا بالطريقِ فقال له: انفذ بسلامٍ، فقيل له: تقولُ هذا لخنزيرٍ؟ فقال عيسى ابنُ مريم: «إني أخاف أن أعوّد لساني المنطق بالسوء».
وفي السيرِ عن أبي حازمٍ قال: السيئُ الخلقِ أشقى الناسِ به نفسُه، ثم زوجتُه، ثم ولدُه، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرورٍ، فيسمعون صوتَه، فينفرون عنه فرقًا منه، وحتى إن دابتَه لتفر منه.
الخطبةُ الثانيةُ.
سوءُ الخلقِ مفسدٌ للعملِ الصالحِ، فامرأةٌ صوامةٌ قوامةٌ دخلت النارَ لأنها تؤذي جيرانَها، وامرأةٌ قليلةُ العبادةِ حسنةُ الخلقِ دخلت الجنةَ.
قال يحيى بنُ معاذٍ: سوءُ الخلقِ سيئةٌ لا تنفعُ معها كثرةُ الحسناتِ، وحسنُ الخلقِ حسنةٌ لا تضرُّ معها كثرةُ السيئاتِ.