You are offline — what has already loaded remains readable

OFFICIAL WEBSITE Dr. Mohammed bin Yousef KhashanDr. Khashan A digital platform documenting the scholarly output of Dr. Mohammed bin Yousef Khashan
ع
HomeFriday SermonsSermon 13
SECTION FOUR · WRITTEN SERMON

محبطات الأعمال (5) المنُّ والأذى

7 min read ✓ Verified original

THE THEME

مما يُحبط العمل أن يمنَّ الإنسان على غيره بما قدَّمه له من خدمة أو منفعة.

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أما بعدُ. لا زلنا نتحدثُ عن محبطاتِ الأعمالِ. وقد تحدثنا في خطبةٍ مضت أن مما يُحبطُ العملَ رفعَ الصوتِ بين يدي رسولِ اللهِ -صلوات ربي وسلامه عليه- وذكرنا أن تقديمَ الآراءِ والعقولِ على سنةِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- هو مثلُ رفعِ الصوتِ بين يديه في حياتِه. عبادَ اللهِ. إن مما يبطلُ أعمالَ العبدِ أيضًا ويردُّها في وجهِ صاحبِها -عافانا اللهُ والسامعين- ((المن والأذى)). والمنُّ: هو أن يتحدثَ الإنسانُ بما فعل من خيرٍ، أو بما بذل من مالٍ على سبيلِ التكبرِ والتعالي. أو أن يتحدثَ العبدُ بما أعطى فيبلغَ ذلك إلى المعطَى فيؤذيَه. كأن يقولَ: لحمُ أكتافِه من خيري، أو: خير اللهِ وخيري، أو: لولايَ لما صار فلانٌ ولا عمَّرولا ثمَّر، ونحوَ هذه الكلماتِ التي تمحقُ الأجرَ والحسناتِ. وقد سمع ابنُ سيرين رجلًا يقولُ لآخرَ: أحسنت إليك وفعلت وفعلت؛ فقال ابنُ سيرين: اسكتْ، فلا خيرَ في المعروفِ إذا أُحصي. قال اللهُ: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ). وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). في هذه الآياتِ تحذيرٌ ونذيرٌ، وكأن اللهَ يقولُ: يا أيها المؤمنون إن إظهارَ المنةِ على الناسِ، بأنكم المنعمون والمتفضلون مبطلٌ لأعمالِكم كحالِ من يعملُ رياءً وسمعةً. أخرج ابنُ أبي حاتم عن السديِّ أنه قال: قال اللهُ للمؤمنين لا تُبطلوا صدقاتِكم بالمنِّ والأذى فتبطلَ كما بطلت صدقةُ الرياءِ وكذلك هذا الذي ينفقُ مالَه رئاءَ الناسِ ذهب الرياءُ بنفقتِه كما ذهب هذا المطرُ بترابِ هذا الصَّفا. عبدَ اللهِ. إن اللهَ هو المنانُ، هو صاحبُ النعمةِ والفضلِ، بيدِه الخيرُ كلُّه، ولولا نعمةُ اللهِ عليك ما بذلت ولا أنفقت. إن بذلت لوجهِ اللهِ فلا تنتظرْ من الناسِ جزاءً ولا شكورًا واجعلْ نصبَ عينيك: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا). اصنعِ المعروفَ مع جميعِ الناسِ، فإن أصبت أهلَه فقد وقع أجرُك على اللهِ، وإن لم تصب أهلَه فقد وقع أجرُك على اللهِ. اصنعِ المعروفَ والقه خلفَ ظهرِك، ولا تجعلْه نصبَ عينيك، وكن محتسبًا أجرَك على اللهِ، ومن صنع إليك معروفًا فاجعلْ معروفَه نصبَ عينيك -وفاءً وعرفانًا- ولا تجعلْه خلفَ ظهرِك، جحودًا ونكرانًا. معاشرَ المؤمنين. المنُّ محبطٌ للعملِ وهو كبيرةٌ من كبائرِ الذنوبِ؛ فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه من حديثِ أبي ذرٍّ أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: ثلاثةٌ لا ينظرُ اللهُ إليهم يومَ القيامةِ ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ، قال فقرأها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مراتٍ فقلت: خابوا وخسروا ومن هم يا رسولَ اللهِ؟ قال: المسبلُ والمنانُ والمنفقُ سلعتَه بالحلفِ الكاذبِ. وفي مصنفِ عبدِ الرزاقِ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا منانٌ ولا مدمنُ خمرٍ. عبدَ اللهِ. المنُّ يستجلبُ غضبَ الربِّ وعقابَه، وهو يوغرُ الصدورَ، ويذهبُ الأجورَ، وجديرٌ بمن يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه أن يتركَ المنَّ، لما فيه من الإثمِ وحبوطِ العملِ، والأخطرُ من ذلك أن الكريمَ الرحيمَ لا يكلمُ المنانَ ولا ينظرُ إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليمٌ فنعوذُ باللهِ من الخذلانِ. الخطبةُ الثانيةُ. من أسماءِ اللهِ ((المنان)) وله معنيان: أولها: عظيمُ العطايا، وثانيها: المتفاخرُ بها، وذلك في حقِّ اللهِ كمالٌ، فهو المنعمُ المعطي، وامتنانُ اللهِ إفضالٌ وتذكيرٌ، وامتنانُ العبادِ إذلالٌ وتعييرٌ. وإن أعظمَ مننِ المنانِ رزقُه لعبدِه بالهدايةِ: ((بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)). والعبدُ الموفقُ هو الذي لا يرى لنفسِه على أحدٍ حقًّا، ولا يرى له على غيرِه فضلًا، فهو دائمُ الفكرِ والنظرِ في نعمِ اللهِ ومننِه، ومثلُ هذا لا يعددُ معروفًا ولا يُحصي إحسانًا، جعلني اللهُ وإياكم منهم.