محبطات الأعمال (3) تتمة العُجْب
THE THEME
هناك محبطات للأعمال الصالحة ومنها: إعجاب المرء بعمله.
إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعدُ.
عبادَ اللهِ.
نتحدثُ عن مبطلاتِ الأعمالِ، ولا زلنا نتحدثُ عن خطورةِ إعجابِ المرءِ بنفسِه وعملِه.
عبدَ اللهِ.
احذرْ أن تغترَّ بعملِك، واحذرْ أن تزدريَ العاصين والمذنبين، فلربما قام في قلبِ ذلك العاصي من الخوفِ والانكسارِ والندمِ ما يدخلُه الجنةَ، ولربما كان ازدراؤك لغيرِك، وإعجابُك بطاعتِك سببًا في دخولِك النارَ.
فذنبٌ تَذِلُّ به بين يدي اللهِ أحبُّ إلى اللهِ من طاعةٍ تُعجَبُ بها، وإنك أن تبيت نائمًا، وتصبح نادمًا خيرٌ من أن تبيت قائمًا وتصبح معجَبًا، وإن أنينَ المذنبين والمستغفرين أحبُّ إلى اللهِ من تسبيحِ المعجَبين، فإن المعجَبَ لا يصعدُ له عملٌ.
حكى أبو نعيمٍ في الحليةِ أن أبا مالكٍ النخعيَّ قال لصاحبِه: يا أبا أيوبَ احذرْ نفسَك على نفسِك فإني رأيت همومَ المؤمنين في الدنيا لا تنقضي، وايمُ اللهِ لئن لم تأتِ الآخرةُ بالسرورِ لقد اجتمع عليه همُّ الدنيا وشقاءُ الآخرةِ، فقال أبو أيوبَ: وكيف لا تأتيه الآخرةُ بالسرورِ وهو ينصبُ للهِ في دارِ الدنيا ويدأبُ؟ فقال: يا أبا أيوبَ فكيف بالقبولِ؟ وكيف بالسلامةِ؟ كم من رجلٍ يرى أنه قد أصلح شأنَه قد أصلح قربانَه قد أصلح همتَه قد أصلح عملَه ثم يجمعُ ذلك يومَ القيامةِ ثم يُضربُ في وجهِه. نسألُ اللهَ لطفَه وعافيتَه.
عبدَ اللهِ.
حتى تخرجَ العجبَ من قلبِك.
تذكرْ دائمًا أن المنعمَ عليك بالعملِ هو اللهُ وحدَه، وأنك لا حولَ لك ولا قوةَ، ولو وكلك اللهُ إلى نفسِك، أو صرف عنك لطفَه وعنايتَه طرفةَ عينٍ لهلكت وضللت.
قال اللهُ: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا).
وقال سبحانه -في بيانِ امتنانِه على المؤمنين-: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
وهو اللطيفُ بعبدِه ولعبدِه. واللطفُ في أوصافِه نوعانِ
إدرك أسرار الأمور بخبرة. واللطف عند مواقع الإحسان
فيريك عزته ويبدي لطفه. والعبد في الغفلان عن ذا الشان
حتى تخرجَ العجبَ من قلبِك.
تذكرْ ضعفَك وعجزَك، وتذكرْ حالَ نبيِّك -صلوات ربي وسلامه عليه- الذي قال: كما في البخاري من حديثِ عَائِشَةَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ».
حتى تخرجَ العجبَ من قلبِك.
تذكرْ أن الأعمالَ بالخواتيمِ، فالخواتيمُ ميراثُ السوابقِ، فخاتمتُك هي خلاصةُ أعمالِك في الدنيا.
وقد قيل: قلوبُ الأبرارِ معلقةٌ بالخواتيمِ؛ يقولون: بماذا يُختمُ لنا؟ وقلوبُ المقربين معلقةٌ بالسوابقِ، يقولون: ماذا سبق لنا؟
وقال بعضُ السلفِ: ما أبكى العيونَ ما أبكاها الكتابُ السابقُ.
وقال سفيانُ لبعضِ الصالحين: هل أبكاك يومًا علمُ اللهِ فيك؟ فقال الرجلُ: تركتني لا أفرحُ أبدًا.
وبكى بعضُ الصحابةِ عند موتِه، فسُئل عن ذلك فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: «إن اللهَ تعالى قبض خلقَه قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنةِ، وهؤلاء في النارِ»، ولا أدري في أيِّ القبضتين كنتُ.
وكان سفيانُ يشتدُّ قلقُه من السوابقِ والخواتيمِ، فكان يبكي ويقولُ: أخافُ أن أكونَ في أمِّ الكتابِ شقيًّا، ويبكي ويقولُ: أخافُ أن أُسلبَ الإيمانَ عند الموتِ.
الخطبةُ الثانيةُ.
وإن من محبطاتِ الأعمالِ، وأخطرِها على دينِ المرءِ هو أن يتألى العبدُ على اللهِ، أو أن يحكمَ بحكمِ اللهِ.
روى أبو داودَ في سننِه -وصححه الشيخُ الألباني، رحم اللهُ الجميعَ- من حديثِ أبي هريرة قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (كَانَ رَجُلانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ؛ فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرتهُ.