You are offline — what has already loaded remains readable

OFFICIAL WEBSITE Sheikh Dr. Mohammed bin Yousef KhashanProf. Dr. Khashan A digital platform documenting the scholarly output of Sheikh Dr. Mohammed bin Yousef Khashan
ع
Home › Friday Sermons › Sermon 19
SECTION FOUR · WRITTEN SERMON

شرح حديث جبريل (2) الإيمان بالله.

14 min read ✓ Verified original

THE THEME

الإيمان بالله

إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
مَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أما بعد..
عِبَادَ اللهِ..
لَا زِلْنَا مَعَ حَدِيثِ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الَّذِي يُعَلِّمُنَا فِيهِ أُصُولَ دِينِنَا وَأَرْكَانَ شَرِيعَتِنَا.
نَتَحَدَّثُ الْيَوْمَ -بِعَوْنِ الْمَلِكِ- عَنْ أَوَّلِ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ وَأَعْظَمِهَا، نَتَحَدَّثُ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
عِبَادَ اللهِ..
إِنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْغِنَى عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِزَّةِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْقُوَّةِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالضَّعْفِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِلْمِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْجَهْلِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عِلْمًا بِاللهِ، بِذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ وَصِفَاتِهِ الْجَلِيلَةِ وَأَفْعَالِهِ الْحَكِيمَةِ، كُلَّمَا ازْدَادَ حُبًّا لِلَّهِ وَتَذَلُّلًا وَانْكِسَارًا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ..
قَالَ اللهُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.
مَعَاشِرَ الْمُكَرَّمِينَ..
الْإِيمَانُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْإِيمَانُ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ:
أَوَّلًا: الْإِيمَانُ بِوُجُودِ اللهِ.
ثَانِيًا: الْإِيمَانُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ، وَأَنَّهُ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالْمَالِكُ وَالْمُدَبِّرُ.
ثَالِثًا: الْإِيمَانُ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ مَعَهُ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُودِ اللهِ: الْعَقْلُ، وَالْفِطْرَةُ، وَالْحِسُّ، وَالشَّرْعُ.
** أَمَّا الْعَقْلُ: فَإِنَّ هَذَا الْكَوْنَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ نِظَامٍ بَدِيعٍ مُحْكَمٍ لَا يَضْطَرِبُ وَلَا يَتَصَادَمُ وَلَا يَخْتَلُّ لَيَمْتَنِعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ، فَالصُّدْفَةُ لَا تَصْنَعُ نِظَامًا مُحْكَمًا بَدِيعًا، كَمَا أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا.
قَالَ اللهُ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.
وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ}.
فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَوْنُ خَالِقًا لِنَفْسِهِ أَوْ بِالصُّدْفَةِ.
يُذْكَرُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- قَدْ جَاءَهُ قَوْمٌ دَهْرِيُّونَ يَقُولُونَ لَهُ: أَثْبِتْ لَنَا وُجُودَ اللهِ؟
فَقَالَ: دَعُونِي أُفَكِّرْ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أُفَكِّرُ فِي سَفِينَةٍ رَسَتْ فِي مِينَاءِ دِجْلَةَ وَعَلَيْهَا حِمْلٌ، فَنَزَلَ الْحِمْلُ بِدُونِ حَمَّالٍ، وَانْصَرَفَتِ السَّفِينَةُ بِدُونِ قَائِدٍ، فَقَالُوا: كَيْفَ تَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَلَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نُصَدِّقَهُ؟ فَقَالَ: إِذَنْ فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، وَالسَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ، كَيْفَ تُصَدِّقُونَ أَنَّهَا وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَوْجَدَهَا؟!.
وَهَذَا أَعْرَابِيٌّ يُسْأَلُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟
فَقَالَ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَالْأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ، أَلَا تَدُلُّ عَلَى السَّمِيعِ الْبَصِيرِ؟
بَلْ تَأَمَّلْ فِي نَفْسِكَ وَخَلْقِكَ تَرَ مِنَ الْإِحْكَامِ وَدِقَّةِ الصُّنْعِ الشَّيْءَ الْعَجِيبَ.
فَمَاءُ الْعَيْنِ مَالِحٌ لِحِفْظِ الْعَيْنِ مِنَ الْأَتْرِبَةِ.
وَمَاءُ الْأَنْفِ حَامِضٌ كَيْ يَكُونَ فِلْتَرًا لِلتَّنْقِيَةِ.
وَمَاءُ الْأُذُنِ مُرٌّ حَتَّى لَا تَسْتَقِرَّ فِيهَا الْحَشَرَاتُ.
وَأَمَّا مَاءُ الْفَمِ فَمُعْتَدِلٌ حَتَّى تَشْعُرَ بِمَذَاقِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا خَلَقَهُ اللهُ، حُلْوَهُ وَحَامِضَهُ وَمَالِحَهُ.
وَقَدْ أَحْصَى الْبَاحِثُونَ أَنَّ فِي اللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ عَشَرَاتِ الْعَمَلِيَّاتِ الْمُعَقَّدَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ قَضْمِ اللُّقْمَةِ وَطَحْنِهَا بِالْأَسْنَانِ وَتَلْيِينِهَا بِاللُّعَابِ وَاللِّسَانِ، ثُمَّ نُزُولًا -مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ أَوْ شُعُورٍ- إِلَى الْمَعِدَةِ، ثُمَّ هَضْمِهَا وَسَحْبِ فَوَائِدِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَمِنْ ثَمَّ خُرُوجِ الضَّارِّ مِنْهَا سَهْلًا مَيْسُورًا.
لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداكا ..
ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناكا
والكون مشحون بأسرار إذا حاولْتَ تفسيراً لها أعياكا
قل للطبيب تخطَّفته يد الردى من يا طبيب بطبِّه أرْدَاكا
قل للمريض نجا وعُوفيَ بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا
** وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِطَبِيعَتِهِ إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ قَالَ: (يَا اللهُ) بَلْ إِنَّ الْمُلْحِدَ إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ، وَنَزَلَتْ بِهِ الْمَهَالِكُ وَالشَّدَائِدُ يَقُولُ: (يَا اللهُ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ، لِأَنَّ فِطْرَتَهُ الَّتِي تَبَرَّأَ مِنْهَا تَدُلُّهُ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَهَذِهِ الْفِطْرَةُ هِيَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَى بَنِي آدَمَ، حَيْثُ قَالَ اللهُ:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ}.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ.
وَأَمَّا الْحِسُّ -عِبَادَ اللهِ- فَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ مَا نَرَاهُ مِنْ إِجَابَةِ اللهِ دُعَاءَ السَّائِلِينَ، وَكَشْفِ كُرُبَاتِ الْمُضْطَرِّينَ، وَعِنَايَتِهِ بِأَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ.
فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللهِ صَادِقًا وَكَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ اللهَ يُجِيبُ دُعَاءَهُ، وَلَا يُخَيِّبُ رَجَاءَهُ.
قَالَ اللهُ: {وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ}.