شؤم الذنوب
THE THEME
بيان عاقبة الذنوب على الأفراد والمجتمعات
إنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
عباد الله.
روى الإمامُ أحمدُ في مسندِه، والترمذيُّ في سننِه، من حديثِ معاذِ بنِ جبلٍ -رضي الله عنه- مرفوعًا: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.
عبادَ اللهِ.
وقفتُنا في هذه الجمعةِ المباركةِ -بإذنِ اللهِ- مع شقِّ الحديثِ الثاني، والمتعلقِ بالحديثِ عن علاقةِ العبدِ مع نفسِه، وهو قولُه -عليه السلام-: ((واتبع السيئة الحسنة تمحها)).
عبادَ اللهِ.
لما كان من طبعِ العبدِ فعلُ الذنبِ والمعصيةِ، وأنه لا بد له من التفريطِ والتقصيرِ في حقِّ اللهِ بارتكابِ ما نهى اللهُ عنه، جاءت النصوصُ تأمرُ بفعلِ الحسنةِ بعد السيئةِ حتى تمحَها.
قال اللهُ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ).
عبادَ اللهِ.
إن من أعظمِ صفاتِ أهلِ الإيمانِ، وأولياءِ الرحمنِ أنهم لا يصرون على ما فعلوا، قال اللهُ جل وعلا -واصفًا حالَ أهلِ الإيمانِ-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).
وقال جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ).
فإذا كنت -عبدَ اللهِ- ممن يصرُّ على خطئِه وذنبِه، فاعلمْ أنك محرومٌ من فضلِ اللهِ ورحمتِه، مصروفٌ عن كرمِه وعنايتِه.
فحالُ أهلِ الإيمانِ هو ملازمةُ التوبةِ والاستغفارِ، وتركُ العنادِ والاستكبارِ.
روى الشيخانِ من حديثِ أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا فقال: ربي أذنبت آخر فاغفر لي، قال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم أصاب ذنبًا فقال: رب أذنبت آخر فاغفر لي، قال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء. أي: ما دام أن حالَ العبدِ ذنبٌ ثم استغفارٌ ثم ذنبٌ ثم استغفارٌ وهكذا، فإنه على خيرٍ.
واعلمْ أيها المسلم أن للهِ في خلقِه سنةً لا تتبدلُ ولا تتغيرُ، ومن هذه السننِ الإلهيةِ الربانيةِ إعزازُ الطائعين وإذلالُ العصاةِ والفاجرين، فما أعزَّ الخلقَ على اللهِ إن هم أطاعوه، وما أهون الخلقَ على اللهِ إن هم خالفوا أمرَه وعصوه.
قال اللهُ جل وعلا: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
عبادَ اللهِ.
إن ما أصاب أمتَنا من ذلٍّ وهوانٍ إنما هو بسببِ البعدِ عن شريعةِ اللهِ، فما تركنا معصيةً إلا وفعلناها، ولا حرمةً من حرماتِ اللهِ إلا وانتهكناها، فألبسنا اللهُ بسببِ ذنوبِنا الذلَّ والهوانَ.
روى أبو داودَ في سننِه من حديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله عنهما- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِيْنَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوْا إِلَى دِيْنِكُمْ».
فَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِيْنَةِ» إِشَارَةٌ إِلَى نَوْعٍ مِنَ المُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ، ذَاتِ التَّحَايُلِ عَلَى الشَّرْعِ.
وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ» إِشَارَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَالرُّكُونِ إِلَيْهَا، وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِالشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِهَا.
وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ» وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ شَغَلَهُ الحَرْثُ وَالزَّرْعُ عَنِ القِيَامِ بِالوَاجِبَاتِ، وَالتَّشَاغُلِ بِهَا عَنِ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ» هُوَ ثَمَرَةُ الخُلُودِ إِلَى الدُّنْيَا.
وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوْا إِلَى دِيْنِكُمْ» فِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الدِّينِ هو طَرِيقُنَا إِلَى رَفْعِ الذُّلِّ، وَالدِّينُ الَّذِي يَرفَعُ الذُّلَّ هُوَ الأَمْرُ الأَوَّلُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ.
عبادَ اللهِ.
إن صَاحِبَ الطَّاعَةِ عَزِيزٌ، بِعِزَّةِ اللَّهِ، مَحمُودٌ فِي أُمُورِهِ، حَسَنُ العَاقِبَةِ، وَصَاحِبَ المَعصِيَةِ ذَلِيلٌ، فَلا عِزَّ لَهُ، وَلَا قَائِمَةَ تَقُومُ لَهُ، وَالعَاقِلُ مِنَ النَّاسِ مَنْ عَرَفَ مَوَاطِنَ العِزَّةِ فَتَحَرَّاهَا، وَمَوَاطِنَ الذُلِّ فَتَوَقَّاهَا.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ -رحمه الله-:
وَهُوَ المُعِزُّ لِأَهلِ طَاعَتِهِ وَذَا. عِزٌّ حَقِيقِيٌّ بِلَا بُطلَانِ
وَهُوَ المُذِلُّ لِمَنْ يَشَاءُ بِذِلَّةِ الـ. ـدَّارَينِ ذُلَّ شَقًا وَذُلَّ هَوَانِ
قال جبيرُ بنُ نفيرٍ: لما فُتحت قبرصُ، فُرِّق بين أهلِها، فبكى بعضُهم إلى بعضٍ، فرأيتُ أبا الدرداءِ -رضي الله عنه- جالسًا وحدَه يبكي فقلت: يا أبا الدرداءِ ما يبكيك في يومٍ أعز اللهُ فيه الإسلامَ وأهلَه؟ فقال: ويحك يا جبيرُ، ما أهون الخلقَ على اللهِ إذا أضاعوا أمرَه، بينما هي أمةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ لهم الملكُ، فلما تركوا أمرَ اللهِ صاروا إلى ما ترى.
إذا كنت في نعمة فارعها. فإن الذنوب تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد. فرُب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت. فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى. لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم من بعدهم. شهود عليهم ولا تتهم
الخطبةُ الثانيةُ.
الحمدُ للهِ وبعدُ.
إياك -عبدَ اللهِ- أن تغترَّ بسترِ اللهِ عليك، أو أن تأمنَ مكرَ اللهِ بك، فإنه لا يأمنُ مكرَ اللهِ إلا القومُ الخاسرون، وكن على حذرٍ، وأصلحِ الذي بينك وبين ربِّك، وتبْ من ذنبِك، واصدقْ مع نفسِك.
أسألُ اللهَ أن يجنبَنا وإياكم أسبابَ سخطِه وعقابِه، وأسألُه أن يسبغَ علينا سترَه في الدنيا والآخرةِ.