أثر العقيدة في حماية المجتمعات من الشهوات والشبهات.
THE THEME
العقيدةُ هي رأسُ مالِ المسلمِ وهي عنوانُ السعادةِ في الدنيا والآخرةِ.
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعدُ عبادَ اللهِ.
العقيدةُ هي رأسُ مالِ المسلمِ وهي عنوانُ السعادةِ في الدنيا والآخرةِ.
هي أعظمُ الأصولِ الدينيةِ، ولأجلها قامت السماواتُ والأرضُ، ولأجلها خلق اللهُ الجنةَ والنارَ، ومن أجلها بعث اللهُ النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكونَ على اللهِ حجةٌ بعد الرسلِ، وبسببها انقسم الناسُ فريقين: فريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السعيرِ، فحقُّ العقيدةِ أن تفنى الأعمارُ في شرحِها وبيانِها والدعوةِ إليها والذودِ عن حياضِها.
والعقيدةُ -معاشرَ المسلمين- هي الأمورُ التي تصدقُ بها النفوسُ وتطمئنُ إليها القلوبُ وتكونُ يقينًا في قلبِ صاحبِها بحيث لا يخالطُها تردد أو شكٌّ.
وأمورُ العقيدةِ هي ما جاء ذكرُه في حديثِ جبريلَ -عليه السلام- الذي جاء فيه قولُه -صلى الله عليه وسلم-: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.
ولقد مكث النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في مكةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً يغرسُ في الناسِ معانيَ العقيدةِ، ويرسخُ في القلوبِ حقائقَ الإيمانِ.
واليومَ يتوارثُ الناسُ العقيدةَ كما يتوارثون المالَ، ولأجلِ هذا تضطربُ العقيدةُ في قلوبِ كثيرٍ من الناسِ عند ورودِ واردِ الشبهاتِ.
وقد روى الخلالُ في كتابِ السنةِ عن جندبِ بنِ عبدِ اللهِ قال: كنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونحن صبيانٌ حزاورةٌ فيعلمنا الإيمانَ ثم يعلمنا القرآنَ، فازددنا به إيمانًا.
أي كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يعلمُ الصبيانَ ويرسخُ في قلوبِهم الإيمانَ، قبل أن يعلمَهم القرآنَ.
لذا يجبُ على الأبِ والأمِّ أن يزرعوا في أولادِهم منذ نعومةِ أظفارِهم الإيمانَ والعقيدةَ الصحيحةَ القائمةَ على كتابِ اللهِ سبحانه وسنةِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- وما كان عليه سلفُ الأمةِ المرضيين وبما يتوافقُ مع أعمارِهم وإدراكِهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
عبادَ اللهِ.
قد يقولُ قائلٌ: أتحدثنا عن العقيدةِ والتوحيدِ ونحن مؤمنون موحدون؟
والجوابُ: إن دعواتِ الكفرِ والباطلِ قد علا صوتُها وانتفشت من غيرِ خجلٍ أو حياءٍ، كالدعوةِ إلى الإلحادِ وإنكارِ الإلهِ، ورعايةِ الشذوذِ، بل صار هذا الباطلُ موجودًا حتى في الجامعاتِ، وعلى مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ، مما يستوجبُ على الدعاةِ والمصلحين أن يعلنوها صيحةَ نذيرٍ، وأن يذكروا الناسَ بأهميةِ العقيدةِ كي يحصنوا أبناءَهم من هذا الخطرِ القادمِ خاصةً في ظلِّ الانفتاحِ الإعلاميِّ المخيفِ.
العقيدةُ الراسخةُ -عبادَ اللهِ- تعصمُ من فتنِ الشبهاتِ، وتقي من التأثرِ بالمذاهبِ الفلسفيةِ والإلحاديةِ والبدعيةِ والتي غزت مجتمعاتِنا -ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ-.
العقيدةُ الراسخةُ تعصمُ من فتنِ الشهواتِ، فالعلمُ بأسماءِ اللهِ وصفاتِه يورثُ الخشيةَ للهِ والمراقبةَ في قلبِ العبدِ وجوارحِه.
العقيدةُ الراسخةُ من أسبابِ الحياةِ السعيدةِ والعيشةِ الرغيدةِ، فصاحبُ العقيدةِ الراسخةِ مطمئنُّ النفسِ هادئُ البالِ ليس بالقلقِ ولا الحيرانِ.
قال اللهُ: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) قال علقمةُ -رحمه الله-: هو الرجلُ تصيبُه المصيبةُ فيعلمُ أنها من عندِ اللهِ فيرضى ويسلمُ.
وقال اللهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
العقيدةُ الراسخةُ أعظمُ أسبابِ التمكينِ في الأرضِ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.
العقيدةُ الراسخةُ هي أوثقُ صلةٍ تربطُ العبدَ بربِّه وخالقِه سبحانه، وجميعُ العباداتِ من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ إنما تستمدُّ قوتَها والثباتَ على فعلِها من قوةِ الإيمانِ والعقيدةِ في القلبِ.
الخطبةُ الثانيةُ.
العقيدةُ الراسخةُ الصحيحةُ من أعظمِ أسبابِ تحقيقِ السلمِ والأمنِ المجتمعيِّ، فمجتمعٌ لا تجدُه فرقًا وأحزابًا هو مجتمعٌ آمنٌ مستقرٌّ، ومجتمعٌ غزته العقائدُ المنحرفةُ والعقائدُ الضالةُ كالرافضةِ والخوارجِ والدواعشِ لن يكونَ إلا مجتمعًا متناحرًا يسفكُ بعضُه دمَ بعضٍ، ويستحلُّ بعضُه أعراضَ بعضٍ.