هل يُستغاث بالنبي-صلى الله عليه وسلم- بأن "يُدرك أمته" ؟!!
THE CLAIM
يا رسول الله أدرك أمتك!!!
THE RESPONSE
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه.
وبَعْدُ.
أوجبُ وأعظمُ ما يجبُ العنايةُ به والذبُّ عنه هو التوحيدُ، والذي هو أعظمُ حقٍّ للهِ على العبيدِ.
والتوحيدُ هو ألطفُ شيءٍ وأنزهُه وأنظفُه وأصفاه، فأدنى شيءٍ يخدشُه ويُدنِّسُه. ولهذا تُشوِّشُه اللحظةُ واللفظةُ والشهوةُ الخفيةُ، وقد اتفقَ أهلُ العلمِ بالكتابِ والسنةِ على أن الاستغاثةَ بالميتِ شركٌ، حتى لو كان هذا الميتُ نبيًّا أو رسولًا.
يقول ابنُ تيمية رحمه الله-: فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا عَلِمُوهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْبُدَ وَلَا يَدْعُوَ وَلَا يَسْتَغِيثَ وَلَا يَتَوَكَّلَ إلَّا عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ عَبَدَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا أَوْ دَعَاهُ أَوِ اسْتَغَاثَ بِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ. فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ يَا جبرائيلُ أَوْ يَا ميكائيلُ أَوْ يَا إبْرَاهِيمُ أَوْ يَا مُوسَى أَوْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي أَوِ ارْحَمْنِي أَوِ ارْزُقْنِي أَوِ انْصُرْنِي أَوْ أَغِثْنِي أَوْ أَجِرْنِي مِنْ عَدُوِّي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ. اهـ (3/272)
وسواءٌ اختلفتَ أو اتفقتَ مع ابنِ تيميةَ في منهجِه وعقيدتِه إلا أن الإجماعاتِ والاتفاقاتِ التي يحكيها ابنُ تيميةَ هي من أجودِ الإجماعاتِ وأكثرِها تحريرًا، ومن قرأ كتابَه نقدَ مراتبِ الإجماعِ لابنِ حزمٍ يعلمُ هذا جليًّا.
ولا شكَّ أن الاستغاثةَ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موتِه أو القولَ:"يا رسولَ اللهِ أدرِكْ أمتَك"، أنه من أعظمِ الباطلِ فهو مشتملٌ على جملةِ منكراتٍ:
الأولى: أن في هذا دعاءً وسؤالًا للأنبياءِ بعد موتِهم، وقد اتفقَ أئمةُ المسلمين على أنه لا يُشرَعُ لأحدٍ أن يدعوَ ميتًا ولا غائبًا، وأن من فعلَ ذلك معتقدًا أنه مستحبٌّ فإنه مبتدعٌ ضالٌّ.
يقول ابنُ تيمية- رحمه الله -في جامع المسائل-: واتفق أيضًا أئمةُ المسلمين على أنّه لا يُشرَعُ لأحدٍ أن يَدعوَ ميتًا ولا غائبًا، فلا يدعوه ولا يَسألُه حاجةً، ولا يقول: اغْفِرْ ذنبي، أو انصُرْ ديني، أو انصُرْني على عدوّي، أو غير ذلك من المسائل، ولا يَشتكي إليه، ولا يَستجير به، كما يَفعلُه النصارى بمن يُصوِّرون التماثيلَ على صورته، ويقولون: مقصودُنا دعاءُ أصحاب هذه التماثيل والاستشفاعُ بهم، فمثلُ هذا ليس مشروعًا -لا واجبًا ولا مستحبًّا- في دين المسلمين باتفاقِ المسلمين. ومَن فَعَلَ ذلك معتقدًا أنه يُستحبُّ فهو ضالّ مبتدع. اهـ
وقد قال بعض المتخصصين في الفقه الشافعي - جزاه الله خيرا -: «ليس في الاستغاثة [بغير الله] نقل عن أحدٍ من الأصحاب - مطلقا - من زمان الشافعي رضي اللَّه عنه، إلى سنة سبع مئة! وأول نص يُكتب فيها إنما كان بعد سنة سبع مئة.(سبع رسائل في الفقه والدعوة ص11) للشيخ علي الحلبي-رحمه الله-
وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي في «الصارم المُنْكي»: «أما دعاؤه هو-صلى الله عليه وسلم- و طلب استغفاره وشفاعته - بعد موته - ؛ فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين - لا من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم .
الثانية: أن في هذا اعتقادًا أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يسمعُ البعيدَ، أو أنه يعلمُ الغيبَ، ولا يكادُ يتجرَّدُ سؤالُ الأمواتِ عن هذا الاعتقادِ، لذا قال أبو الفضل الألوسي في تفسيره روح المعاني: ((ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعوَّ الحيَّ الغائبَ، أو الميتَ المُغيَّبَ يعلم الغيبَ، ويسمع النداءَ، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير أو دفع الأذى وإلا لما دعاه، ولا فتح فاه، وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيمٌ)). اهـ
ويقول السهسواني-رحمه الله-: وأما إذا قُصد بهذا النداءِ أن يُدعى الميتُ والجمادُ والغائبُ في حضرةِ الربِّ للمنادِين -بالكسر- فنداءُ الميتِ بعيدًا عن القبرِ وكذا نداءُ الغائبِ يقتضي اعتقادَ علمِ الغيبِ بذلك الميتِ والغائبِ، واعتقادُ علمِ الغيبِ لغير اللهِ شركٌ وكفرٌ. (2/1338).
نعم، وقع خلافٌ (هل يسمعُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سلامَ البعيدِ؟ أم يُبلَّغُ سلامُ البعيدِ عن طريق الملائكةِ)، خلافٌ، لكنه خلافٌ في سماعِ السلامِ لا في سماعِ عمومِ الكلامِ، فأين الدليلُ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يسمعُ كلامَنا واستغاثتَنا ويملكُ إغاثتَنا؟ لا شكَّ أن هذا من أعظمِ الباطلِ، وأفسدِ الفاسدِ، والذي يفتحُ على المسلمين أبوابًا إلى الشركِ جاءت الشريعةُ بسدِّها وقطعِ وسائلِها، وحسمِ مادتِها.
والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على التحقيق- إنما يسمعُ سلامَ القريبِ، ويُبلِّغُ سلامَ البعيدِ عن طريقِ الملائكةِ، كما ذكره غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ كابنِ عبدِ الهادي في الصارمِ المنكي.
فقد روى النسائيُّ وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ ابنِ مسعودٍ أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ للهِ ملائكةً سياحين في الأرضِ يبلغوني عن أمتي السلامَ).
ثم الثالثة من جملةِ المنكراتِ في قولِ القائلِ: "يا رسولَ اللهِ أدرِكْ أمتَك" الاعتقادُ بأن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يملكُ كشفَ الضرِّ عن أمتِه.
وقد قال اللهُ تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
وقال تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ).
بل إن الذي يستغيثُ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بعد موتِه، ويسألُه أن يُدرِكَ أمتَه قد أتى بفعلٍ يمنعُ الإجابةَ، لأن دعاءَ الأنبياءِ بعد موتِهم بدعةٌ شركيةٌ، وإجابةَ الدعاءِ إنما تقومُ على التوحيدِ.
قال ابنُ القيم-رحمه الله- في مدارجِ السالكين: ((واللهُ لم يجعلْ استغاثتَه -يعني بالميتِ- وسؤالَه سببًا لإذنِه، وإنما السببُ لإذنِه كمالُ التوحيدِ، فجاء هذا المشركُ بسببٍ يمنعُ الإذنَ، وهو بمنزلةِ من استعان في حاجةٍ بما يمنعُ حصولَها، وهذه حالةُ كلِّ مشركٍ)). اهـ
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.