You are offline — what has already loaded remains readable

OFFICIAL WEBSITE Dr. Mohammed bin Yousef KhashanDr. Khashan A digital platform documenting the scholarly output of Dr. Mohammed bin Yousef Khashan
ع
من ثمرات العبودية..
ARTICLE

من ثمرات العبودية..

10 min Verified original
من ثمرات العبودية.. الحمد لله.. العبودية هي: لزوم عبادة الله-عز وجل- مع غاية المحبة والتذلل والتعظيم قال الله: ((قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين بذلك أُمرت وأنا أول المسلمين)). وأكمل الخلق وأفضلُهم وأعلاهُم هو أتمهم عبودية لله عز وجل. ولذا خاطب -رب العزة والجلال- أنبياءه ورسله في أشرف المقامات بوصف (العبودية) فقال: ((وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ)). وقال: ((وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)). وقال عن أيوب: ((إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب)). ونبينا -صلوات ربي وسلامه عليه- هو أكمل الخلق عبودية لله عز وجل، فكان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة. وكان يقول: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". "وكان يقول لمؤذنه بلال: أرحنا بها يا بلال". وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وتتشقق رجلاه، فيقال له: هوّن على نفسك فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: "أفلا اكون عبداً شكورا". وإن من أعظم آثار العبودية وثمارِها الحسنة: أولاً : محبة الله : فكلما أقبل العبد على الله أقبل الله عليه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَانِي وَمَا تقرَّب إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أحبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَإِنْ سَأَلَنِي عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي أَعَذْتُهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تردُّدي عَنْ نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته). ثانياً : التعلق بالله والاستغناءُ به عن كل ما سواه. وقد ربى الله -جل وعلا - أصحاب نبيه على التعلق به وحده، ورباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ففي غزوة أحد حين أشيع خبر موت النبي صلى الله عليه وسلم اهتزت قلوب المؤمنين، وتزلزلت، عندها أنزل الله عليهم قرآناً يتلى: (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا)) أي : ليس محمدٌ إلا رسولاً يبلغكم رسالتي، فلا تتعلقوا بشخصه وذاته. وقد روى أبو داود في سننه من حديث ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا أتكفل له بالجنة فكان ثوبان يقع السوط من يده وهو راكب على دابته فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيأخذه. وقد قيل : لن تتم لك عبودية ما دام فيك لغير الله بقية .. وقيل : احتج إلى من شئت تكن أسيره واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أميره.. ورحم الله الإمام الطبري حين قال: إذا أعسرت لم يعلم رفيقي... فأستغني ويستغني صديقي. حيائي حافظ لي ماء وجهي... ورفقي في مطالبتي رفيقي. ولو أني سمحت ببذل وجهي... لكنت إلى الغنى سهلَ الطريق. ثالثا: من ثمار العبودية : المسارعة إلى امتثال الأوامر وترك النواهي. وتأمل كيف أن إبراهيم-عليه السلام- حين بلغ الغاية في العبودية تحقق بكمال الامتثال للأمر والنهي وذلك حين بادر إلى ذبح ولده إسماعيل - عليهما السلام- امتثالاً لأمر الله.. قال الله ((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)).. رابعا : من ثمار العبودية : الحفظ من الوقوع في الشهوات والمحرمات.. قال الله تعالى عن يوسف - عليه السلام-: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وفي قراءة: (المخلِصين). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا لما كان يوسف عليه الصلاة والسلام محباً لله تعالى مخلصاً له الدين لم يُبْتلَ بذلك، بل قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). وأما امرأة العزيز فكانت مشركةً هي وقومَها، فلهذا ابتليت بالعشق، وما يبتلى بالعشق أحد إلا لنقص توحيده وإيمانه، وإلا فالقلب المنيب إلى الله تعالى يصرف عن العشق). ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي:(من دخل الإيمان قلبه، وكان مخلصاً لله في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلاصه, من أنواع السوء والفحشاء , وأسباب المعاصي، ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه , لقوله تعالى: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ) على قراءة من قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنه من إخلاص الله إياه وهو متضمّن لإخلاصه هو بنفسه , فلما أخلص عمله لله، أخلصه الله، وخلصه من السوء والفحشاء). خامساً : سلامة القلب من أمراض القلوب. فأمراض القلوب لا تستقر في قلبِ من حقق الإخلاص والعبوديةَ لله عز وجل. من حديث ابن مسعود-رضي الله عنه-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: .. ثلاث لا يُغِلُ -من الإغلال-(الخيانة) -عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط مِنْ ورائهم. سادسا : الشجاعة وقوة القلب، فكلما تحقق العبد بالعبودية كلما زاد قوة وشجاعة. ولما كان الخليلان -محمد وإبراهيم- عليهما السلام- أعظمَ الناس توحيداً, كانا في غاية الشجاعة والإقدام . من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس, وكان أجود الناس , وكان أشجع الناس , ولقد فزع الناس ذات ليلة , فانطلق ناس قبل الصوت, فتلقَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً , وقد سبقهم إلى الصوت , وهو على فرس لأبي طلحة عُرِىٍ , في عنقه السيف , وهو يقول: (لم تراعوا , لم تراعوا). وكما أن التوحيدَ والعبوديةَ سببٌ في قوة القلب فإن الشركَ سببٌ في الرعب والخوف كما قال عز وجل: قال الله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك المشرك يخاف المخلوقين, ويرجوهم فيحصل له الرعب , كما قال تعالى :( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً)، والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)، وقد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا الظلم بالشرك. سابعا : دخول الجنة - جعلنا الله وإياك من أهلها-. قال الله تعالى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ). وهنا قال الله: (يا عباد..) فذكر الوصف الذي به استحق أهل الجنة الجنة وهو : (العبودية) ليبين أن تحقيق العباد للعبودية هو سبب دخولهم الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهلها.. والحمد لله رب العالمين.